في افتضاض البكارة واغتصاب السلطة

الخميس 2013/10/24

لعل حسين الجزيري (كاتب الدولة للهجرة والتونسيين بالخارج) هو أفضل من عرف السلطة بحسب مفهوم النهضة التي بفضلها أصبح وزيرا يصول ويجول، ويتكلم في المنابر كما يشتهي وكما يريد. فقد شبّه السلطة بـ»ليلة العرس» أو بليلة «الدخول أو «الدخلة» كما في التعبير التونسي الدارج.

غير أن الليلة التي يتحدث عنها تكاد تنتمي إلى الماضي البعيد، وهي خاصّة بالمناطق الداخليّة للبلاد الجنوبيّة منها بالخصوص .ففي هذه الليلة، غالبا ما يكون العريس مُنْعدم التجربة أو يكاد في علاقته بالمرأة. بل لعلّه لم يسبق له أن لمس جسد امرأة واحدة حتى ذلك الحين. والخيال وحده كاف لتغذية غرائزه الجنسيّة وتهييجها. لذا هو يدخل على عروسه جائعا للجنس جوع الذّئب للحم الخروف الطري. لكنه مطالب مقابل ذلك بإثبات رجولته، ولا يتمّ له النجاح إلاّ إذا ما تمكّن من أن يفتض بكارة عروسه في وقت وجيز غير عابئ بصراخها وخوفها. ولن يهنأ له بال إلاّ عندما يتلطّخ الفراش بالدم، ويخرج نافخا أوداجه معتزا بالانتصار الباهر الذي حققه. عندئذ يبادر الرجال الواقفون عند الباب بإطلاق الرصاص، وترتفع زغاريد النساء احتفاء بالرجولة والفحولة. وليس مهمّا أن يُغمَى على العروس بسبب العنف الذي تعرّضت له، أو أن تحمل إلى المستشفى على جناح السرعة جراء النزيف الذي قد يحدث لها أثناء افتضاض بكارتها بمثل تلك القسوة وتلك السّرعة.

وأحسب أن حسين الجزيري يَعْني بـ «ليلة العرس» التي تحدّث عنها ليلة كهذه، ومعنى هذا أنه شبّه تونس- ربّما دون أن يعي فداحة ما يقول- بالعروس المسكينة التي لا يدخل عليها عريس واحد فقط، بل مئات وربّما آلاف، وجميعهم متلهّفون لإشباع رغباتهم وإطفاء نيران شهواتهم في أقصر وقت ممكن، ودون أن يولوا أي اهتمام بالنّتائج المترتبّة عن ذلك. لذا يحق لنا أن نتحدث في هذا المقام عن عملية اغتصاب جماعية، وليس عن مجرد افتضاض بكارة.

وفي هذه المرّة لم يطلق الرصاص في الهواء احتفاء بالرجولة والفحولة، بل أصاب رؤوس وقلوب من عارضوا عمليّة الاغتصاب الفظيعة التي تعرّضت لها تونس، أو هم حذّروا من وقوعها. ولو تأملنا في الطرق التي بها تدير النهضة شؤون البلاد منذ عامين لعثرنا دون عناء على الأدلة القاطعة التي تثبت أنها- أي النهضة- ليست مهتمة لا من قريب ولا من بعيد بالمشاكل وبالقضايا الحارقة التي تتخبّط فيها البلاد، بقدر ما هي مهتمة بالاستحواذ على السلطة، وببسط نفوذها على أجهزة الدولة، وبخدمة مصالحها الكبيرة والصّغيرة، وبالحصول على أقصى ما يمكن من الامتيازات المادية في أقصر وقت ممكن. وليس مهما وهي تفعل ذلك، أن تغرق البلاد في الفوضى والعنف والجرائم والإرهاب، وأن تتعفّن المدن والقرى، وأن تدمر القدرة الشرائيّة للمواطنين، وأن يزداد عدد العاطلين عن العمل ارتفاعا، وأن تعلو نسبة الفقر بشكل مخيف، وأن تتحوّل المساجد إلى فضاءات لزرع الفتنة وإذكاء التباغض والكراهية، وتشل الإدارات والمؤسسات العامة والخاصة، ويتدنى مستوى التعليم في جميع مستوياته، وأن تنتشر الأوبئة والأمراض الفتّاكة، وأن يعيش التونسيون خوفا يوميا من المستقبل، وأن تداس القوانين بجرة قلم، وأن ينخر الفساد والمحسوبيّة أجهزة الدولة، وأن تشتعل النعرات العشائرية والقبلية من جديد لتحرق الأخضر واليابس، وأن يموت مئات من شباب تونس في البحر وهم يحاولون الهروب من الجحيم النهضاوي.

غير أن حسين الجزيري ليس معنيا بكل هذه الكوارث وهذه المصائب. وما أظن أن إخوانه من جماعة النهضة يختلفون عنه، فهم جميعا منتشون بعملية الاغتصاب الجماعية هذه. أما الطوفان الذي سيجرف البلاد والعباد فليس من شأنهم.


كاتب تونسي

8