في الألم الروائي

الأربعاء 2015/09/23

تمثل الرواية بمعنى ما “ذاكرة الألم”، بما هو حدّ مسترسل بين المشاعر والنسوغ، في وعي الفرد والجماعة، من هنا يتجلى النثر الروائي بوصفه تطريزا لجدلية المعاناة الطارئة والممتدة، تلك التي تتحول تدريجيا من عطب عضوي إلى حكمة جمالية، ترتقي بالخيبات من المشترك المنذور للنسيان، إلى علة موقظة لفتنة التمثيل والاستبطان. ففي استعادة الزمن إقرار بالخسارة، وهروب المستقبل إلى الماضي. هكذا ينهض الألم الروائي من السجل الشخصي والتاريخ الجماعي، بيد أنه يتحوّل إلى شعور غير تاريخي ولا موضوعي.

وبناء عليه، يمكن اعتبار المسار الروائي، إنضاجا لقدرات التمثيل العاكسة للخلل في التوازن بين مكونات الجسد والوعي والوجدان، ومحاولة لفهم ماهية الألم، وتحويله لوعي يفارق العلة الغامضة إلى عمقها القيمي والإنساني الخفي، ثم التشوف إلى الارتقاء من قاعدة الألم الموضوعي إلى صوره المفارقة، التي تكتسب تدريجيا تكوينا ذهنيا يحمل وظائف وسمات، ويولد معجما، وينشئ بلاغة متحوّلة.

أستدعي هذا الافتراض مقرونا بتلك التحولات التي جعلت موضوعات الحب والحرب والسجن والمرض والعائلة والمدينة تهيمن على عوالم السرد المعاصر، بشكل يكاد يكون كليا، وهي الموضوعات التي تتقاطع في قاعدة الألم الناتج عنها أو المولد لها، قبل أن تختص أنواع روائية معاصرة ببلاغة “الانكسار”؛ من مثل روايات “الاعتقال السياسي” و“المنفى” و“الحرب”… إنه التراث الممتد من “دوستويفسكي” إلى “سراماغو” حيث تضحى المشاهد الجهنمية للعذاب العضوي والروحي لحمة العمل الروائي.

إن الرواية العربية التي حفلت في الآونة الأخيرة بمحكيات الحروب الأهلية، والثورات الدامية، والإرهاب الديني.. بقدر ما عكست تحوّلا في نهج تدبر الألم روائيا، وتصوير تفاصيله الخفية، وما يتصل به من عوالم سفلى؛ فإن ما يمكن ملاحظته أيضا هو أن “الألم” المتجسد في انكسار الأحلام الفردية والجماعية، وضيق هامش الحرية، وعزلة المثقف، ونفيه المطّرد، أفرز على الدوام مثيرات متشعبة لاسترسال التخييل الروائي في تمثيل أوجاع المجتمع العربي والتقاط مفارقاته، وتصوير أشكال الصراع داخله، ومن ثم السعي إلى فهم تحوله المستمر.

تبادرت كل هذه الأفكار إلى ذهني، عزيزي القارئ، وأنا أنهي مسار قراءات متلاحقة في سلسلة نصوص مغربية وعراقية وجزائرية ومصرية وسورية… تلاحق صدورها في بحر هذه السنة، بعد مرور أزيد من أربع سنوات على ما سمي بالربيع العربي، وكانت بقدر ما تترجم أحاسيس الفقد والخسارة والانكسار والمذابح المتتالية، تحوّل القراءة إلى تجربة كابوسية يندر فيها الفرح.

كاتب من المغرب

15