في الاحتفال بذكرى إعلان الجمهورية بتونس

الخميس 2017/07/27

من أهم أحداث هذا الأسبوع مرور ستين سنة على إعلان النظام الجمهوري في تونس يوم 25 يوليو 1957 والتخلي عن النظام الملكي. والمفروض في مثل هذه المناسبات إقامة الاحتفالات الرسمية في كامل البلاد التونسية تخليدا للذكرى وتكريسا لها في أذهان الشباب الذي أصبح إعلان الجمهورية بالنسبة إليه صفحة من صفحات التاريخ قد لا تجد لها مكانا في سجلات ذاكرته. وقد كانت البلاد قبل يناير 2011 تهتم بهذه الذكرى على مستوى وطني بدعم من مؤسسات الدولة، ثم ضعف الاهتمام بها بعد يناير 2011 حتى كادت تُنْسَى، ثم بدأت تستعيد أهميتها بعد 2014.

فإذا قارنا بين ما كان يحدث من احتفال رسمي للدلالة على أهمية الحدث قبل يناير 2011 وما صار يحدث بعده لاحظنا الفرق بين عهدين: فقد تمثل نشاط رئيس الجمهورية بهذه المناسبة في هذا الأسبوع في ثلاثة أحداث؛ الأول هو توسيم رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد بمنحه الصنف الأكبر من وسام الجمهورية، وفي ذلك ردّ اعتبار للموسمِ الذي كان قد أقصي من رئاسة الحكومة إقصاء بإقالة مجلس النواب له.

والحدث الثاني هو تدشين ساحة الشهيد محمد البراهمي -بمناسبة إحياء الذكرى الرابعة لاغتياله يوم 25 يوليو 2013- بتونس العاصمة في حفل رسمي، وفي هذا التدشين اعتراف رسمي بأهمية شخصية الشهيد السياسية والنضالية وطمأنة لعائلته ولرفاقه في السياسة بأن الدولة لم تنسه، والدولة تعلم في الحقيقة أن المنتظر منها لتعبّر عن عدم نسيانها له بأن تسرع في الكشف عن مغتاليه ومغتالي الشهيد شكري بلعيد أيضا. فقد مرت قضيتاهما بمراحلَ من التباطؤ الغريب ومظاهر من التفكيك جعلت لسان الدفاع عنهما يتهم الجهة القضائية المكلفة بملفيهما بالتلكؤ المقصود لعدم الرغبة في الكشف عن الحقيقة.

وأما الحدث الثالث فهو حضور رئيس الجمهورية مع رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة الاحتفالات الرسمية بالذكرى في مقر مجلس النواب بقصر باردو. وهذا الذي حدث في هذا الأسبوع يندرج في التغير الإيجابي الذي حصل منذ سنة 2015 في التعامل مع هذه المناسبة. فقد كان الاحتفال بها في فترة حكم الترويكا شبه مغيّب عن قصد.

ذلك أن الترويكا كانت تحت هيمنة الإسلاميين، وقد عرف التونسيون عنهم بمجرد ظهورهم إلى العلن في السلطة العداءَ التام لدولة الاستقلال سواء بشتم رموزها -وخاصة الحبيب بورقيبة الذي كانوا يزندقونه حينا ويكفرونه حينا آخر ويعبرون جهارا عن رفضهم الدعوة له بالرحمة- أو بمحاولة محو تاريخ الحركة الوطنية وتاريخ دولة الاستقلال، واعتبار التاريخ الصحيح قد بدأ معهم، والسعي من خلال ذلك إلى كتابة تاريخ جديد للبلاد. وقد كانت مقاصدهم إلى ذلك حقيقيّة كما يتبين من تصريحات قادتهم آنئذ، ومن أشهرها ما خاطب به حمادي الجبالي، رئيس حكومة الترويكا الأولى، حشدا من الإسلاميين في مدينة سوسة في شهر نوفمبر 2011 “يا إخواني أنتم الآن أمام لحظة ربانية في دورة حضارية جديدة إن شاء الله في الخلافة الراشدة السادسة”، فـ”الدورة الحضارية الجديدة” التي بشر بها هي بداية تاريخ البلاد التونسية الجديد الذي سيشهد إقامة نظام “الخلافة الراشدة السادسة”. فالجماعة كانت تنتظر إذن إقامة نظام الخلافة مكان النظام الجمهوري.

وقد أريد لهذا التيار السياسي الديني أن يزداد قوة ورسوخا بمنح تأشيرة النشاط لحزب التحرير الذي يرفض أي نظام سياسي غير نظام الخلافة وأي نمط للحكم غير نمط الخلافة، إذ الخلافة في نظره هي “محررة البشرية من اضطهاد الدولة الديمقراطية”. وقد أجْبرت القوى الوطنية المدنيةُ، العلمانية خاصة، الإسلاميين ومن معهم من الشركاء في الترويكا على التخلي عن الحكم في آخر شهر يناير 2014 نتيجة ما حل بالبلاد في عهدها من المصائب والكوارث -وأخطرها الاغتيال السياسي وانتشار الإرهاب باسم الدين- ثم أجبرتهم الظروف المحلية والإقليمية والعالمية على تغيير المنطق المتطرّف والتخلي عما سموه “الإسلام السياسي” لتبني ما سموه “الإسلام الديمقراطي”. ولكن الناظر في أدبياتهم وفي خطابهم يلاحظ أن التغير قد حصل في المنطق ولم يحصل في الفعل بعد، إذ التغير في الفعل يقتضي أمورا أوكدُها اثنان:

أوّلهما الاعتذار للتونسيين عما صدر عنهم من الأخطاء في الحكم ومنها ما كان كارثيا بحق -وآخر ما ظهر منها قضية البنك التونسي الفرنسي، ومازال التونسيون ينتظرون الكشف عن قضايا فساد أخرى إذا سمحت “سياسة التوافق” بذلك- ولكن الجماعة مازالت تتصدى بالرد العنيف لكل انتقاد يوجه إليها، بل إنها ما انفكت تمتدح نتائج فترة حكم الترويكا “الإيجابية”، بل هي تمجد تاريخ الحركة الإسلامية كله بالبلاد كما يدل على ذلك حديث أحد قادتها عن “أربعين سنة من العطاء”، وأي عطاء هو! ولا شك أن من هذا “العطاء” الموقف العدائي الذي كان معلنا من دولة الاستقلال ورموزها ومن النظام الجمهوري في الحكم.

والأمر الثاني هو التخلص من المرجعيّات الدينية الإسلامية في نظام الحزب الأساسي، وهي بارزة في فصلين منه: في الفصل السادس المخصص للأهداف إذ ورد في الهدف الثاني منها “الإسهام في ترسيخ ثقافة الوسطية والاعتدال وتجذير الهوية العربية الإسلامية”؛ ثم في الفصل السابع المخصص للوسائل، فإن الحزب يعتمد “لتحقيق أهدافه الوسائل الشرعية”، ومصطلحات “الوسطية” و“الاعتدال” و“الهوية العربية الإسلامية” و“الوسائل الشرعية” كلها مفاهيم دينية دالة على قيام الحزب على المرجعية الدينية وبعدِه عن المرجعية المدنية.

ولا شك أن التخلي عن هذه المرجعية الدينية سيسمح للحزب بأن يرى في النظام الجمهوري نظاما أصلح للبلاد وللعباد من نظام الخلافة، وأن بناة دولة الاستقلال الذين أوصلوا البلاد إلى ما وصلت إليه من الرقي الذي كانت الجماعة تحاربه في وقت من الأوقات ليسوا كفرة ولا زنادقة إنما هم قوم قد أخلصوا للوطن.

وإذا كانت حركة النهضة قد غيرت نظرتها ولو صوريا من دولة الاستقلال ومن النظام الجمهوري، فإن بعض الهيئات التي سهرت على تكوينها واختيار أعضائها أيام حكم الترويكا مازال يضمر العداءَ لدولة الاستقلال ويسعى إلى تعقبها وشيطنتها وشيطنة بُناتها والنظام الجمهوري الذي بنوه. وقد ظهر هذا العداء المضمر جليا في ما قامت “هيئة الحقيقة والكرامة” يوم 21 يوليو -قبيل الاحتفال بعيد الجمهورية- تنظيمها جلسة استماع حول تزييف الانتخابات قبل يناير 2011، وقد استدعت أحد عشر شاهدا عايشوا الفترة وكان لهم دور في تنظيم الانتخابات فاعترفوا بما كان معْروفا، على أن من المدعوين من رفض الحضور لما رآه بلا شك في الحدث نفسه من إذلال للشهود وتحقير للفترة التي يدلون بشهادتهم عليها واستنقاص مقصود للنظام الجمهوري الذي كان قائما باختيار تاريخ جلسة الاستماع قبيل الاحتفال بإعلان الجمهورية. وما زاد هذا الموقف طرافة هو تهديد رئيسة الهيئة بمقاضاة هؤلاء الذين رفضوا الشهادة.

ولا نظن هذا الذي حدث كله دالا على إيمان حقيقي بالنظام الجمهوري وبما حققه للبلاد في دولة الاستقلال من مظاهر الرقي والتقدم. إنها العين السياسية العوراءُ التي لا تستطيع أن تقع على ما وراء الأنف! وهؤلاء الناس فيما نرى أكثر دكتاتورية من ساسة دولة الاستقلال الذين يُتَفَنَّنُ في إظهار عوراتهم والتنديد بالنظام الجمهوري الذي أقاموه، وليت الجماعات المعارضة اليوم تعترف بأنها لو كانت في السلطة مكان من ينتقدون من ساسة الأمس لما كانوا أحرص منهم على احترام النظام الجمهوري وتطبيق الديمقراطية في الحكم، وذلك ما يدل عليه واقع البلاد السياسي اليوم دلالة واضحة.

كاتب وجامعي تونسي

9