في البحث عن دولة

الاثنين 2014/04/28

تسود أرجاء عديدة من العالم العربي المثخن بجراحه السياسية- قديمها وجديدها- اعتمالات متداخلة من الحراك السياسي، عنوانه الظاهر معارك انتخابية محتدمة، وتوصيفه الأعمق البحث عن دولة.

انتخابات الجزائر أفضت إلى تجديد «البيعة» لرئيس مريض زاد في تعكر انسداد شرايين البلاد، ولبنان يتهيأ لاختيار رئيسه وفق معادلة تم ابتكارها لتقليص منسوب الطائفية فزادت في تأجيجها، وفي العراق يتقدم حزب الدعوة الإسلامي المدعوم إيرانيا، بثقله للانتخابات رغم أثر كل الخراب الذي أنتجه على البلاد والعباد. ما يجمع كل هذه المحطات (وغيرها في ليبيا وتونس واليمن) هو أنها تعبيرات ملتبسة للبحث عن «دولة».

الدولة في هذا المقام بالمعنى الحديث للكلمة، لا بالمتصوّر التسلطي العنيف الذي هيمن طويلا (أو أريدَ له أن يهيمن) على متخيّل العرب للدولة.

البحث الحثيث عن دولة تعامل الناس على أنهم مواطنون لا رعايا، هو ما يحثّ قوى سياسية مختلفة تتصدى للشأن العربي العام، على رفض الطائفية ومحاصصاتها، وعدم القبول بالحكم القائم على مسوغات دينية، ورفض الحكم الأدبي ومعارضة عنف قائم على «دوافع شرعية» يسمّى في أدبيات دعاته ورعاته وأدواته «جهادا».

الدولة التي تبحث عنها قوى مختلفة ومتنافرة وفي الأغلب ضعيفة، هي جملة المؤسسات التي تدير شؤون الناس على أساس انتمائهم الحديث لفضائها، لا على أساس إيمانهم الديني أو مذهبهم أو طائفتهم أو إيديولوجياتهم. وعندما تسود تلك الدولة وتنتصر سيختار اللبناني رئيسه (أو رئيس وزرائه أو رئيس برلمانه) اللبناني وفق اقتناعه ببرنامجه الانتخابي، لا انطلاقا من ضرورة كونه مسيحيا أو مسلما سنيا أو شيعيا. وعندما تنتصر الدولة سيصطفي العراقي مرشحه وفق تصوره لحل أزمات العراق التي تفاقمت منذ مجيء “ديمقراطية” الاحتلال ودباباته مدججة بأسلحة ونكرات جيء بهم لحكم العراق فعاثوا فيه فسادا.

نتذكّر أن الثورات العربية قامت على غير منهج لكنها كانت ترنو (على الأقل انطلاقا مما رشح من شعاراتها) إلى إرساء الحرية والعدالة والتنمية، ولعل هذه الشعارات إن وُحّدت وتُرجمت إلى برامج فعلية فإنها ستؤدي- مجتمعة- إلى سيادة الدولة الحديثة التي تحترم المواطن، وتتركه ينظر إلى «السماء كما يشاء».

سيادة الدولة وانتصارها كفيلان بتدريب الناس على الإقرار بانتمائهم إلى فضاء سياسي حديث مدني لا إلى مذهب أو طائفة، وكفيلان باحتكارها للعنف “السائب” بدعاوى أو فتاوى دينية، وكفيل أيضا بالحؤول دون هيمنة حزب أو رئيس أو دائرة على مستقبل البلاد بدعوى الجدارة أو الشرعية. وكفيل أخيرا بالاقتراب من تحقيق تنمية عادلة طالما حلم بها الناس، لأن تلك الدولة ستفرزُ قوانينها ومؤسساتها وتبعد تبعا لذلك شبكات الزبونية التي تترعرع في مناخات غيابها وصعود بدائل تنتمي لزمن آخر لكنها تدعي التصدي لإدارة شؤون الناس في هذا الزمن.

كاتب صحفي تونسي

9