في "البحر خلف الستائر".. العالم يتضاءل والرؤية تتسع

السبت 2014/01/25
تنتمي رواية القمحاوي إلى روايات التأمل أو الأفكار، وتنعى الحداثة

عِزَّت القمحاوي روائي مصريّ وصحافيّ، صَدَرَ له العديد مِن الأعمال الرّوائية، حصل على جائزة نجيب محفوظ العام الماضي عن روايته «بيت الديب»، وقد صدرت مُؤخّرًا ترجمتها إلى الأنكليزية عن قسم النشر بالجامعة الأميركية. في روايته الجديدة «البَحْر خلف السَّتائر» الصَّادرة عَن دار الآداب اللبنانية 2014، التي يختزلُ فيها العَالَم الخارجي في فضاءٍ ضَيّقٍ هو البرج الذي تدور فيه الأحداث.

يعود بنا عزّت القمحاوي إلى الفَضَاءات الضَّيقة التي يتخذها لُعَبة لرؤية بشاعة العالم على اتساعه، كأَنْ يرى الفَساد سَرطانًا ينخرُ جسد المجتمع مثلما نَخَرَ جسد بطله عيسى مِن زاوية «غرفة ترى النيل»، أو حتى يحشد أبطاله داخل مدينة أسطورية عنوانها «مدينة اللّذة» فنكتشف في النهاية أنَّها لا تختلفُ عن واقعنا في إنكارها للحبّ عن ساكنيها، إلى مراقبة انهيار العالَم الخارجي بانهيار وتصدُّع «بيت الديب» من الداخل، وصولا إلى روايته الجديدة.


سجن الداخل


عبر 118 صفحة من القطع المتوسط. يضعنا المؤلف في جوٍّ متوترٍ مُقْبِض داخل برج (فندق) في إحدى دول الخليح. كلّ شيءٍ بداخله يتحرك بميكانيكية وآلِيّة صمّاء. اللافت أنَّ عالمَ البرج وحالة الخواء الروحي التي يعيشها سكانه، لا ينفصلان عن سياقات الحداثة وما بعدها، وما أفرزته العولمة من عَالمٍ مُتَفَسِّخٍ، وَحياةٍ بَاردةٍ، حيث الرُّوح مُسْتَلَبَة من قوى ليست غيبية وإن كانتْ في حُكْمِها، والفَرد يعيشُ الوحدة رغم حالة الصَّخب الدائرة حوله، والعالم يضيق باتساعه ليصبحَ شرنقةً للروح أو سجنًا لها.

يحشرُ صاحب «بيت الديب» شخصيات الرِّوَاية في فضاء البرج، الذي يغدو (في جانبٍ منه) فَضاءً مَفتوحًا للمفاوضين واللاجئين والباحثين عن الحرية في هذا البلد الصَّغير. ويُحَرِّكَ الرِّوائي داخله شخصيته الأثيرة “الطارئ” وباقي الشخصيات التي يستدعيها كالعاملات في الفندق والمرأة السَّمراء وأيضًا “كاثرين”، ويراقبهم عن كثبٍ عَاكسًا لانفعالاتهم، وعبثهم، وضيقهم، والأهمّ لوحدتهم.

لا يتجاوزُ السَّردُ أروقة البرج (الفندق) وأجنحته وبهوه ومطعمه، وناديه الرِّياضي وأيضًا مصعده (العلبة الحديدية)، فالمكان رغم الحياة الصَّاخِبَة بداخله، وتعدّد البشر مختلفي الجنسيات، إلا أنه مُفْتَقِدٌ للأُلْفَة، بل هو أشبه بالسّجن؛ من حيث اللُّغَة الواحدة المفروضة على العاملين فيه، وغياب الخصوصية للنزلاء، والآلية التي تحتكم فِعْل الأفراد ونظام المراقبة لمعاقبة أو لَوْم مَن يخرج عن التعليمات، كُلّ هذه المعاني تُحيل إلى معانٍ ذَات صِلَةٍ بالمكان القَامِع أو المكان الغريب المضاد للمكان الأليف عند غاستون باشلار.

يميل السرد في غالبه إلى الوصف، فذات السارد التي تشعر بالاغتراب داخل المكان لا تجد ما يسليها سوى الوصف

فيتساوى البرج بالسّجن (رغم الفارق الظاهري بينهما) في مَحو هُوية شاغليه بدءا مِن العاملين فيه، بتردديهم لعبارات وَجُمَل معينة لا تتجاوز (مرحبا سيدي، استمتع بوجبتك سيدي، شكرًا سيدي، أتمنى لك يوما طيبا سيدي).

وكذلك استبدال اللُّغة الأنكليزية في الحديث بلغاتهم الأصلية، وأيضا استبدال أسمائهم بأخرى تتوءام مع سياسة المكان، فـ”مالو” تصبح “كاثرين”، والبطل يصير “الطارئ”، والنزلاء كلهم يُعرفون بـ”الطارئين” وانتهاء بالنزلاء باختزالهم في صورة (اللا أحد)، فلا غروّ بعد هذا أنْ يُصَابَ البطل بالاغتراب عن ذاته، فيسعى باحثا عن الدفء الإنساني والمشاعر فيما حوله، لكنه يكتشف أنّ المكان أفرز برودته على الجميع.

وكأنّ البرج بأليّته المفْرِطة قام بتغريب الذّوات، وطمس الهُوِيَّة والخصوصية، حتى غدا الكلُّ رقما في معادلة تتغيّر بتغيّر أحد أطرافها. الشيء العجيب أنّ الطارئ استغل الوحدة بمشاهدة الحياة التي اكتشف أنها تنعشه ولا تقتله، وهو الجانب الإيجابي لها، إضافة إلى«حريّة التعرّي» التي كانت الثمرة الوحيدة مِن العزلة.

في مثل هذا العالم الكابي الرَّازح على النّفْس تَفْقِدُ الأشياء معانيها، فالبحرُ يصير «لُجةً وَاسِعَةً من مَاء ليس له نزق مياه البحار، لا موجة فَرحة أو غاضبة»، والفردُ يشعرُ تارةً بأنه «الكُلّ»، وتارة أخرى يشعر «بأنَّه لا أحد»، فلا خصوصيَّة لأيّ أحد فيه، فالمصعدُ حَمَلَ الآلاف من قبل، وانحناءة العاملين فُعِّلَتْ لكثيرين، ولقب سير مُنِحَ لآلاف قبله، كما أنَّ الطَّعَامَ، والسَّرِيرَ وَالمنشفةَ النَّظِيفةَ في النَّادي الرِّياضي، جميعها جاهزةٌ ومَعَدّةٌ لأيّ «لا أحد».ومع التعوُّد تتحوَّل حالة الوحدة والملل إلى هِوَاية في مَعْرفة بلدان الطارئين وحفظ لغاتهم.

ومع طول المقام في البرج يتوحّد «الطارئ» مع الرَّجل الصَّامِت في مجلسه، كما يتوحّد «الطارئون» جميعا في «انزلاقهم إلى كهف الذكريات خطوة خطوة»، حتى وإنْ بدا منهم تمردّ على القهوة المقدّمة إلا أنه لا يُعَدّ طَفْرةً على نحو ما، أو يمكن أن نجنح بخيالنا لتوهّم ثورة تعقبه.


شخصيات مغتربة

القمحاوي غاص في تأثيرات العولمة على البشر


عبر شخصية البطل «اللا أحد» والذي أطلق السَّارد عليه «الطارئ»، يغوص المؤلف في تأثيرات العولمة على البشر وكيف جرّدتهم مِن إنسانيتهم وسلبتهم الحميمية ودفء المشاعر، فالبطل الوحيد الذي يُصْبِحُ مجرّد آلة للترقّب داخل الفندق، منذ أنْ جاء إليه دون أن يعرف «متى يمكنه أن يغادر ولا يتذكر لِمَ ومتى جَاء؟» ومن فرط استلابه له «يتخيّل أنه شاهده في فيلم بالأبيض والأسود» وعندما يُعْجزه الفَرار منه «يعتقد أنه نائم على سريره في بيته».

كما تناهض الرّواية في أحد جوانبها الرئيسة سياسات العولمة التي أعادت نظام الرّق في العهود السَّحيقة ولكن بمسمّى جديد؛ عمالة وافدة قادمة من بلاد الشّمس القارحة، وما فرضته من طبقية غير عادلة بتقسيمهم إلى ثلاث مجموعات حسب مظهرهم فالفرز الأوَّل «يصطفون في الاستقبال»، والفرز الثاني «على صناديق الحساب في المطعم والكافيتيريا والبار»، والثالث للخدمة في المطعم وفي النَّادي الصِّحي، والأخير مخصّصٌ لخدمة تنظيف الغرف؛ لتقليل مخاطر اللقاء مع «الطارئين» الذين يبقون بغرفهم وقت التنظيف مصادفة أو تربّصا، هكذا عادت الطبقية ترفل في ثوب الرّأسمالية البشعة التي أحالت العمالة إلى أصناف؛ جيّدة ورديئة ومهملة.

وكأنها تنعى الحداثة وما أحدثته من شروخ للذّات. وثمّة اقتصادٌ في الشّخصيات، فليس أمامنا سوى شخصية «الطارئ» والفتاة الأسيوية، والرّجل الصّامت ومن ثمّ فليست الرّواية قائمة على صراعات خارجية وإنْ كان ثمّة صِرَاعٌ داخلي، ناجم عن أزمة الاغتراب التي تعانيها كلّ شخصية على حدة وتدفعها إلى السّير في عكس الآخرين.

وأيضا اقتصاد في الزمن، فالزمن في أساسه زمن نفسي وإن كان ثمّة اختراقات إلى زمن ماض لكن هذا لا يتجاوز ذكرى تلوح، كما هو الحال في ذكرى كسر الطبق، أو رائحة المانجو، وكلها تشي بافتقاد لزمنٍ مَاض. وأخيرا اقتصاد في اللّغة والحوار، فليس ثمّة حوارات بين الأشخاص إلا الحورات الخاصة بتلبية الطلبات، فجميع الحوارات تميل إلى كونها منولوجا إلى الذّات، والحوارات التي تدور بين شخصيتين لا تتجاوز الجملة أو الاثنتين، وكأننا في حالة تقشّف عن الكلام بعدما صار كلّ شيء بحساب، والأبرز شخصية الرّجل الصّامت، الذي «يجلس منزويا وحيدا مُنْكَسرا لا يتابع شيئا، ومتجاهلا لكل شيء حوله، حتى أن ثغره لا يفتأ بابتسامة قط أو يرمش».

وقد يلجأ الطارئ ليذيب الشُّعور بالاغتراب والوحدة، إلى التواصل مع الآخر، عبر الحوارات المقتضبة، على نحو ما فعل مع «كاثرين»، ثم مع «إويسا» الفتاة النيبالية، أو عبر مطارداته الفاشلة للنساء في البهو والمسبح والمصعد. أو حتى بالذكريات على نحو ما فعل الجار في الغرفة التي كانت تصدر منها التأوّهات، فيكتشف أنّ الزوجة رحلت والزوج يعيش مع ما سجله لها. وتكرار الحوار بهذا الشكل يكشف عن افتقاده للآخر فينشده بأية وسيلة حتى دون مراعاة لطبقيته أو خوفا من انتهاك لقانون المكان الذي يحظر الأحاديث الشّخصية أو تبادل الاتصالات مع «الطارئيين».


شعرية الافتقاد


يميل السَّردُ في غالبه إلى الوصف، فذات السّارد التي تشعر بالاغتراب داخل المكان لا تجد ما يسليها سوى الوصف، ويتنوّع بين وصف الشّخصيات كما هو الحال في وصفه لكاثرين «جفنها الواسع النّعَاس يُعلِّم الغزل… تمشي مرفوعة الرّأسِ بقامة أطول من قامات نساء بلادها»، ووصف المكان كالمطعم والحمّام الرّياضي.

الرواية ليست قائمة على صراعات خارجية، كان ثمة صراع داخلي، ناجم عن أزمة الاغتراب التي تعانيها كل شخصية على حدة

ومن ثمّ تتجوّل عين السّارد التي هي أشبه بالكاميرا في المكان راصدة، لكلّ ما يقع تحت عدستها؛ كحركة العاملات وملابسهن، والنزلاء أو الطارئين في المطعم، أو في بهو الاستقبال، والمفاوضين، وقد ترصد المشاعر والأحاسيس الميتة وسط حالة البذخ والثراء، فالنّظرات المتبادلة بين الطارئ والمرأة في المسبح تكشف عن حالة الجوع أو العطش الرومانسي التي تفتقدها في زوجها الذي يكبرها، ومن ثمّ فالحوار الدائر بين جسديهما يدور «في صمت وفي ارتعاش من وجد مخلّصه من برودة المكان والحياة».

كما يتحركُ السّردُ منذ بداية الرّواية على مستويات عدّة تهدف جميعها إلى إبراز تفاصيل حياة العُزْلة أو الوحدة التي تعيشها الشّخصيات، دون الاعتماد على عنونة الفصول أو حتى ترقيمها، وإنما السّرد متواصل عبر وحدات بسيطة، تتميزُ بالإحكام الشّديد وبالقصر، وهو ما يتناسبُ مع طبيعة المسرود، دون فائض لفظي، أو حلية بلاغية زائدة، وإنما لغة حيّة صافية تميل إلى الشّعرية في أوصافها، وتقترب بمكرها من المتداولة في حواراتها.

17