في البدء كانت الكلمة.. والآن جاء دور الصورة

الفضاءات الافتراضية ألغت المسافات بين البشر لكنها أهدتهم جزرا وعزلات.
الثلاثاء 2020/03/31
الإنسان الوحيد في الفضاء الافتراضي (لوحة للفنان ياسر أبوالحرم)

إنها لمفارقة أن تلغي وسائل التواصل الحديثة المسافات الواقعية بين البشر وتوفر لهم فرصة الحديث مع أكثر من شخص في لحظة واحدة وفي أمكنة مختلفة، لكنها رسخت العزلة وزادتها قسوة. حيث أفرغت الفرد من أهم ما يملك ألا وهو “اللغة”.

لم يكن أحد يتخيل أن اللغة هذا الاختراع الإنساني العظيم سوف يتراجع حضوره أمام التحدي الكبير الذي أصبحت تشكله الإنترنت والعصر الرقمي وتقنيات الاتصال والتواصل العجيبة.

 فجأة قفزت الصورة على شاشات وسائل الميديا والأجهزة النقالة والكمبيوتر لتحتل المشهد وتخطف الأبصار والعقول معها.

تراجعت اللغة ليتقدم الخصم الجديد بأسلحته وعتاده المتنامي في سطوة حضوره وإغراءاته. صار الإنسان يتكلم قليلا ويتحدث كثيرا بالصورة كأن يرسل صورة قلب بدل التعبير عن مشاعر الحب أو وردة أو أي علامة أيقونية أخرى يختزل بها الكثير من اللغة التي كان يقولها في ما مضى. لم يكن ذلك اختياره بل هو إكراه من حيث لا يدري لأن طبيعة هذه الأجهزة لا تحتمل تلك اللغة وكذلك إيقاع الحياة وخيالها الذي فرضته معها.

لم يكن تزايد عزلة الإنسان هو النتيجة الوحيد لهذه المتغيرات الكبيرة التي فرضها هذا العصر علينا، بل تراجع دور اللغة لأن ثمة لغة أخرى متقشفة ودالة يمكن أن تعوض عن غياب المشاركة. يمكن أن تشارك أي إنسان مأساته أو فرحه أو أي مناسبة أخرى بكلمات قليلة بالضغط على أزرار جهاز الكمبيوتر أو الهاتف النقال وإرسالها لمن تشاء على بعد الآلاف من الأميال.

سقطت المسافة في هذه الفضاءات لكنها خلقت الحواجز الكثيرة في العالم الواقعي. هذه المفارقة العجيبة بين الفضائين لم تكن من اختيارنا وإنما وجدنا أنفسنا نعيشها في انسياقنا الغريب وراء إغراءات هذه المنجزات التقنية العجيبة، التي جعلتنا نعيش في الواقع الافتراضي أكثر من ما نعيش في العالم الواقعي.

أصبح الإنسان في هذا العصر قادرا على الحصول على ما يشاء من مشتريات وهو جالس في البيت دون أن يكلف نفسه عناء الخروج منه للتسوق. وصار قادرا على التواصل مع من يشاء دون أن يضطر إلى الذهاب إليه. هذه السلطة التي أصبحت تمارسها هذه الأجهزة على الإنسان تجاوزت كل هذا إلى الحالات التي يلتقي فيها الناس أو حتى داخل فضاء البيت.

هل يمكن أن نكون واقعيين في الفضاء الافتراضي وهل تقدر اللغة الجديدة على تمثل الصورة الحقيقية للواقع

كل شخص تجده مشدودا إلى شاشة جواله أو حاسوبه وهو يتابع ما يشاء من مواقع فنية وإعلانية أو دعائية أو سياسية أو مواقع تواصل اجتماعي. لذلك أصبح الفضاء الافتراضي يستولي حتى على الفضاء الواقعي ويهيمن عليه، وأصبحت علاقتنا مع العالم الواقعي تبنى وتتحدد في ضوء علاقتنا بالواقع الافتراضي وتأثيراته علينا من خلال ما يضخه من صور ومعلومات وأخبار دون توقف على مدار الساعة.

والسؤال الذي يفرضه هذا الواقع الجديد حول مدى قدرتنا على أن نكون واقعيين ومدى قدرة اللغة الجديدة على تمثل الصورة الحقيقية للواقع والحياة. وسائل كثيرة أصبح يمتلكها الإنسان من خلال هذه الصور حتى أصبحت قدرة الإنسان على التضليل والاختراع والتلاعب بالصورة والحقائق أمرا متاحا تيسره له هذه التقنيات الحديثة.

اللغة المنطوقة أو المكتوبة لم تكن بريئة من التزوير والتضليل، على خلاف ما يحدث التلاعب  بالعالم الافتراضي. مشكلة اللغة هنا وهناك كانت وستبقى في طبيعة توظيفها من قبل الإنسان. الحروب الكبرى التي حصدت أرواح الملايين والأنظمة الشمولية التي مارست أبشع أنوع القمع والاضطهاد لشعوبها كانت تستخدم اللغة قناعا ووسيلة لتضليل الناس وخداعهم وتهييج مشاعرهم تحت شعارات مزعومة ومقولات خادعة. خطورة اللغة الجديدة في العالم الافتراضي تكمن في حجم انتشارها من خلال سعة وسرعة انتشارها في عصر الإنترنت والواي فاي وما يمكن أن يتم اختراعه من وسائل مذهلة جديدة.

الكاتبة وأستاذة الفلسفة الفرنسية، إلزا غودار، تختصر هذه التحولات بالقول إن العالم لم يعد قابلا لأن يحكى بل صار يريد فقط أن يرى لذلك حلت الرؤية محل الفكر. لقد أصبحت الصورة هي اللغة التي تطغى على المشهد العام، وهو ما حاول أن يجسده جان لوك غودار في فيلمه الشهير “وداعا أيتها اللغة”.

لم يكن تزايد عزلة الإنسان هو النتيجة الوحيد لهذه المتغيرات الكبيرة التي فرضها هذا العصر علينا، بل تراجع دور اللغة لأن ثمة لغة أخرى متقشفة ودالة يمكن أن تعوض عن غياب المشاركة

في هذا الفيلم البسيط من حيث موضوعه ثمة قصة حب تنشأ بين رجل وامرأة لكن هذه العلاقة تنتهي بالخصام والضرب، بينما يظهر الكلب ضائعا في الطريق. يلتقي الرجل والمرأة مرة أخرى ومعهما الكلب وتبدأ قصة حب عجيبة. في الجزء الثاني من الفيلم ستختلف الصورة لأن الكاميرا ستحتل مساحة الشاشة وسيكتفي الفيلم بصوت نباح كلب وصرخات رضيع تتعالى تاركا للصورة أن تخلق إيحاءاتها التي تنوب عن الكلام في سرد ما حدث.

قديما كان يمكن لشخص أو مجموعة أشخاص أن يتحدثوا إليك أو تتحدث إليهم، لكن في عصر الفضاء الافتراضي صار يمكنك أن تتحدث مع أشخاص أكثر وأن يتحدثوا إليك في آن معا على الرغم من بعد المسافات واختلاف اللغات. هذا الإنجاز المذهل عبر الشاشة الصغيرة للكمبيوتر والهاتف النقال ألغى المسافات لكنه في الآن نفسه زاد من عزلة البشر وفرض قواعد جديدة في العلاقة.

أصبح الإنسان قادرا على إخفاء ما يريد وإظهار ما يريد. كذلك أصبح قادرا على أن يحلق بعيدا في هذا الفضاء الافتراضي لكن من خلال جهاز بارد وصورة غالبا ما نحدد ما يجب أن تكون عليه. لقد اختفت العفوية والحرارة والانفعال من هذه اللغة، وأصبح الإنسان ضائعا بين سيل من الصور المتدفقة والمعلومات والرسائل والتي تقول كل شيء دون أن تلمس قلب الإنسان الوحيد والموحش.

14