في البدء كان الورق

الثلاثاء 2013/10/22

حسناً فعل السينارست الشاب محمد ناير صاحب "المواطن اكس" عندما أطلق على ورشة الكتابة الجديدة التي يديرها اسم "ورق"، ناير كأبناء جيله الذين اطلعوا مبكراً على الإنتاج الدرامي الأوروبي والأميركي، عرفوا أن العمل الناجح يبدأ منذ الورقة الأولى التي يكتبها السينارست.

عاش الفن المصري لسنوات طويلة يعاني مما يسمى " أزمة ورق" وكلمة "ورق" هنا تعني بالنسبة إلى المحترفين في هوليود الشرق "النص" أي "السيناريو والحوار"، لا يوجد ورق جيد رغم أن هناك ممثلين محترفين.

كانت هذه هي حجة النجوم والمنتجين ومعهم المخرجون، ليس كل من في مصر في موهبة أسامة أنور عكاشة ووحيد حامد وبشير الديك، وحتى المؤلفين الكبار من نفس الجيل لا يحافظون على مستواهم طويلا، فمؤلف فيلم "الهروب" السينارست مصطفى محرم، هو نفسه مؤلف مسلسل "زهرة وأزواجها الخمسة".

المؤلفون من جانبهم كانوا يهاجمون المنتجين ويؤكدون أن الورق موجود لكن المنتجين يريدون الانفاق على أعمال مضمونة العائد المادي والتسويق، ينجح مسلسل لنور الشريف عن تعدد الزوجات، فتتكرر المسلسلات التي تتناول نفس الموضوع، يفشل مسلسل لنور الشريف، يتحمل هو العبء باعتباره النجــم ولا يسأل أحد عن الأسباب، وربما يعود نور الشريــف أو غيره إلى الإخفاق مجددا، لأن أصحــاب العمل يتــركون النجم بمفرده يــقود كل شــيء.

من المخطئ إذا، المنتج الذي يشكو من عدم وجود "ورق"، أم السينارست الذي يؤكد توافر "الورق" لكن يهجو جشع المنتج وافتقاده إلى روح التجريب والمغامرة ؟، الإجابة أن كليهما على خطأ، والدليل ما جرى في السنوات الثلاث الأخيرة عندما أجبرت المسلسلات التركية المنتجين في مصر على تطوير الصورة وتقديم قضايا مختلفة، لكن ذلك لم يكن ممكنا دون ورق جيد، بهذا يمكن أن نفسر خروج مسلسلات بصورة تقنية مبهرة، لكن مضمونها فارغ وينساها الجمهور بمجرد أن تبدأ صفاء أبو السعود في الترحيب بالعيد.

عندما قدم محمد ناير مسلسل "المواطن اكس" لم يكن جمهور الدراما يعرف اسمه، ولا اسم المخرج عثمان أبو لبن، اهتموا فقط بالمضمون، ما مهد لناير تقديم رواية "فرتيجيو" في مسلسل تلفزيوني في العام التالي مباشرة، ليصدق المنتجون أخيرا أن تحويل الروايات إلى أعمال تلفزيونية يمكن أن يجذب الجمهور إذا فعلتها كما ينبغي وتعلمت من درس مسلسل "عمارة يعقوبيان"، في العام الماضي قدم السينارست هشام هلال نفسه عبر مسلسل "طرف تالت" بنفس أبطال "المواطن اكس" تقريبا، وعاد وكرر النجاح في "تحت الأرض" هذا العام، على المنوال نفسه قدم محمد سليمان عبد المالك النجم المخضرم محمود عبد العزيز في قالب مختلف رمضان الماضي بمسلسل "باب الخلق" وبكل ثقة قدم هذا العام "اسم مؤقت" مع يوسف الشريف الذي نجا من فخ تكرار "رقم مجهول" الذي كتبه عمرو سمير عاطف لرمضان الماضي، مسلسل "نيران صديقة" الذي آثار جدلا حوله كان لمؤلف كتب كثيرا لكن لم يجد طريقه إلى الجمهور إلا في رمضان 2013 هو محمد أمين راضي، كل هؤلاء لم يصلوا إلا بعد عامهم الخامس والثلاثين، ونافسوا المخضرم وحيد حامد صاحب "بدون ذكر أسماء" ومعهم مريم نعوم في مسلسلي "موجة حارة" و"ذات".

هل لاحظت أن الفقرة السابقة خلت من دور النجوم في نجاح المسلسلات، انتهت هذه القاعدة إلى الأبد، لا ينجح المسلسل فقط لأن النجم محبوب، لابد أن يكون الورق هو البداية، ومستقبل السينما والدراما وحتى المسلسلات الإذاعية في مصر والوطن العربي بات متعلقا بحصول جيل جديد من الكتاب والمؤلفين على حريتهم المطلقة في كسر كل القواعد التي بناها الأولون بحجة أن هذا هو المتاح فلا يوجد ورق جيد.

14