في التاريخ الانتقائي.. السلف الصالح الذي يراه الإسلاميون نبراسا

الأربعاء 2013/10/30
استدعاء لحظة السلف الصالح؛ عجز عن فهم ديناميكية الإسلام

الإسلاميون جميعهم يمارسون الدمغجة منهجا، ويطلبون التصديق الأعمى، ويحاولون الالتفاف على هذه الأهداف. ومع ذلك، لا أحد يمكن أن يؤكد ما يزعمونه من وجود زمن إسلامي نقي من الدنس وخلو من الأذى والمآسي. والسبب بسيط يتمثل في تداخل الديني بالسياسي.

الإسلاميون يريدون استعادة ما يعتقدون أنه زمن السلف الصالح دون أن يحددوه التحديد الدقيق. فأي سلف يريدون استعادته؛ زمن النبوة أم زمن الراشدين أم غيرهما؟ بل إن هذين الزمنين كانا من أشد الأزمان أذى وإفكا.

زمن النبوة

يمكن أن نستدل، بحكاية حادثة الإفك التي تداولها الناس زمن النبوة والتي فيها إساءة إلى عرض النبي وزوجه السيدة عائشة في غزوة بني المصطلق. وهي دليل على أن أخلاق المسلمين لم تكن فضائل كلها حتى في زمن النبوة. فإلى جانب الرواة الأربعة الكبار، ورد خبر حادثة الإفك في صحيحي البخاري ومسلم. ويروى أن عبد الله بن أبيّ بن سلول الذي يوصف بالمنافق هو من تولى الإفك بعرض السيدة عائشة. ثمّ لهج الناس بإفكه حتى أتت السيدة عائشة بيت أبويها وفارقت النبي شهرا كاملا. فلم تمنع هيبة النبي ومنزلته لدى المسلمين من إتيان عرضه بسوء وهو بينهم، إلى أن تبين من علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد براءة السيدة عائشة، قبل أن يبرئها الوحي.

وكادت تحصل الفتنة ويقتتل الأنصار من الأوس والخزرج بسبب إفك عبد الله بن أبي بن سلول والنبي على المنبر يخطب فيهم. فلقد تأذى النبي وزوجه وآل بيته أيما إيذاء وهو بين قومه المسلمين. وقال يخطب فيهم: «يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله، ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان دخل على أهلي إلا معي».

إذا كان هذا ما حدث للنبي نفسه بين قومه، فما بالك بالحياة الاجتماعية بين الناس داخل المدينة حينها؟ صحيح أن النبي ذو كرم وفضائل، ولكن من كانوا معه من غير الصحابة ليسوا كذلك أغلبهم. وهذا ما لا يجعل زمنهم كما يعتقد السلفيون. وإذا كان زمنهم كما رأينا فكيف كان سيكون لو لم يكن النبي بينهم؟ فزمن السلف ليس أفضل من زماننا. واستعادة هذا الزمن، لو سلمنا بأطروحة السلفية، فإنها لن تحقق أهداف الثورة. بل ما أبعدها عنها.

زمن الخلافة الراشدة

ثلاثة من الخلفاء ماتوا مقتولين غيلة وغدرا في أشهر حرم وفي أماكن حرم وفي مناسبات حرم، فلم تشفع لهم أنسابهم ولا صحبتهم النبي ولا خدمتهم الإسلام والمسلمين.

ففي 26 من ذي الحجة اغتال المجوسي أبو لؤلؤة فيروز الفارسي عمر بن الخطاب وهو من هو. إنه من خاض معارك القادسية والبويب والجسر وجلولاء. ومن فتح المدائن والعراق وفارس. ومن فتح دمشق وبيت المقدس ومصر وليبيا والنوبة وأزال سيطرة الروم تمامًا من تلك البقاع والوهاد. لقد طُعن عمر وهو يصلي الفجر بالناس بخنجر له نصلين ست طعنات، يعني قتل في المسجد الحرام وهو ساجد.

وكان حظ عثمان بن عفان الخليفة الراشد الثالث أسوأ من سلفه الفاروق. فلقد حوصر في بيته أياما بلياليها ولا من مغيث ولا من مجير وكأنه ليس خليفة المسلمين، ومُنع عنه مع آل بيته الماء والطعام في رمضان وهو صائم. وقطعت أطراف أنامل زوجته وهي تتصدى بيدها للسيف الغادر يهوي عليه. وقتل إبنان من أبنائه وهما يثأران لمن قتل أباهما. وقطعت يد الخليفة وهو يتقي بها ضربة سيف الخارجي. وقتل عثمان وهو يقرأ القرآن والمصحف بين يديه حتى تقاطر دمه ليغمره يوم الخميس السابع عشر من شهر ذي الحجة سنة 35 هـ. فهل بعد هذا الإيذاء إيذاء؟ وهل هذا زمن صالح تريد دفعنا إليه أو جلبه إلينا؟

كان مآل علي بن أبي طالب الخليفة الراشد الثالث أشبه بمآل سلفيْه. «وذلك على يد المجرم الخارجي الضال، أشقى الناس، عبد الرحمن بن ملجم المرادي، أثناء خروج أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لصلاة الفجر بمسجد الكوفة في يوم الجمعة 17 رمضان سنة 40هـ.» والخارجي القاتل كان يعرف أن علي هو ابن عم النبي وصهره وأبو الحسن والحسين. وكان يعرف أنه في صفين خيَّر حقن دماء المسلمين رغم يقينه بالخديعة. ومع ذلك، قتل غيلة وغدرا يوم الجمعة وأثناء الصلاة وفي المسجد، فهل هذا السّلف صالح للاقتداء؟

هذه الحقائق التي أتاها السلف الذي يراه الإخوان والسلفيون نبراسا يريدون أن يجبرونا على تقديسه والاقتداء به، وهو ليس كذلك، لأنهم يتعاملون مع التّاريخ انتقائيا فيرون ما يريدون وإن لم يوجد، ولا يرون ما لا يريدون وإن وجد. فإسلام النبي وصحابته ليس إسلام العامة حتى من المهاجرين والأنصار وقد كانوا جميعا معا. فلا وجود لزمن إسلامي طاهر نقي. وإنما كلما اقترب الدين من السياسة سلت خناجر الغدر وسالت الدماء غزيرة. ولم يقع اغتيال الخلفاء الثلاثة إلا لأسباب سياسية متصلة بخلاف في تقييم حكمهم والطمع فيما بين أيديهم من سلطة ورياسة. ولما لم تكن هناك آلية للتداول على الحكم وعلى إزاحة الحاكم الذي يفشل حكمه تسحب السيوف وتطير رقاب وتهدر أعمار. فإن كان السلفيون يريدون استعادة زمن هؤلاء الأسلاف فلعلّهم لا يخطئون في التيقن من أنه ليس أفضل من واقعنا لاسيما مع وجود الدولة ومؤسساتها وقوانينها وآليات التداول السلمي على السلطة فيها. ولهم أن يستنتجوا أن الخلفاء المغدورين غيلة ثلاثتهم كانوا يبحثون عن الدولة ويجتهدون في تركيز أنظمتها ومؤسساتها، الدولة التي يرفضها السلفيون ولا يعترفون بها. فهل يعني ذلك أنهم يعنون بالسلف الصالح غيرهم بل قتلتهم الذين أرادوا قطع جهودهم التأسيسية؟

نبدأ بالخلافة الأموية؛ ما حدثنا به التاريخ الإسلامي الرسمي وأدبياته أن الأمويين افتتحوا خلافتهم بالخديعة والاتجار بالدين للحصول على السلطة. وما نعلمه أن الأمويين رفعوا السيوف في وجه إخوانهم المسلمين في صفين. وما نعلمه أن الأمويين هم أول من قضى على الشورى وحولوا الخلافة إلى حكم عائلي متوارث. ما هو ثابت أنهم ذبحوا الحسين بن علي بن أبي طالب ومن معه من آل البيت من نساء وأطفال في كربلاء في 61هـ بسبب رفض الحسين مبايعة يزيد بن أبيه بولاية العهد ثمّ بالخلافة لأنه كان يرفض توريثها.

كان الحسين أكثر حداثة من طالبي الخلافة اليوم، وقد كان الحسين قد قاتل مع أبيه الخليفة علي بن أبي طالب في موقعتي الجمل وصفين زمن الأمويين. لقد تولى أحد أتباع علي القدامى الخارجي شمر بن ذي الجوشن قتل الحسين بن علي رغم أنه كان قد شارك معه في معركة صفين.

الخلافة العباسية

ما حدثنا به التاريخ عن الخلافة العباسية أنّها شردت الأمويين ولاحقتهم في الأمصار. ولم تنقذهم من هربهم إلا الأندلس. ما نعلمه أنهم اغتالوا أبا مسلم الخراساني القائد العسكري الشاب النابغة الذي مكنهم من بلوغ مرادهم في الخلافة. وما نعلمه أنهم أخذوا الخلافة من الأمويين ولكنهم لم يخلصوها من سمة التوريث الأموية التي قتل بسببها الحسين بن علي. ما هو ثابت أن العباسيين قطعوا أوصال ابن المقفع ودفنوه حيا لما تيقظ وعيه السياسي فحرك قلمه. ما أخبرنا به التاريخ أنهم كرسوا العبودية واستحلال حرمة النساء الجواري والرجال الغلمان فامتلأت قصورهم بهم. ما هو ثابت أنهم فتحوا أبواب خلافتهم للفرس الساسانيين ثمّ للروم ثمّ للسلاجقة الأتراك الذين انتهوا بافتكاك الخلافة منهم. أما الخلافة العثمانية فهي استعمار.

إن الإسلام ليس أزمنة ماضية يمكن أن تستعاد. والفضائل ليست نائمة في حضن الزمن الماضي تنتظر من يوقظها. وإذا أراد السلفيون الإسلام وفضائله فإنهما هنا والآن وفي كل عصر وزمان.

أليس الإسلام دينا صالحا لكلّ العصور؟ فلماذا يقصرون خيره وجوهره على الماضي البعيد الذي يتوهمون أنه عصره بامتياز، ثم يعملون على جرنا إليه أو جره إلينا في عبث لا يفيد. «جوهر الدين ليس معرفة وليس فعلا، بل هو شعور متفرد دون تحديد»، فلماذا يجره السلفيون والإسلاميون عموما للسياسة جرا رغم تاريخ أجدادنا الدموي الذي يحذرنا من استعادة تجاربهم؟ إن الإسلام ليس ما يرونه ويريدونه، بل هو ما نحن عليه.

13