في التباس الموقف الأميركي من الثورة السورية

السبت 2013/11/02

يتحدد الموقف الأميركي من الثورة السورية، انطلاقا من المصالح الأميركية أولاً؛ وهي مصالح متعددة تتجاوز سوريا، وتأخذ بالحساب الموقف من المنطقة بأكملها ومن العالم.

أميركا تعلن وبعد سلسلة إخفاقاتها في العراق وأفغانستان، وتمركز الأزمة الرأسمالية فيها بدءاً من عام 2008، وبروز القطب الروسي والصيني، أنها ستنسحب من منطقتنا، وستحدّد مصالحها بصفة خاصة بأمن إسرائيل ونفط الخليج، وما عدا ذلك يمكن المساومة عليه. وبذلك لم تعلن ولا مرة واحدة، أنها معنية بإسقاط النظام السوري؛ فقط كانت تبدي مواقف إعلامية تبدي استيائها منه، وأحياناً تقول بضرورة تنحي رأس النظام، أكثر من ذلك لم نسمع منها موقفاً متقدماً. إذن ليس في جعبتها إسقاطاً للنظام، بل ولم تتوانَ عن إجراء حوارات مع الإمبريالية الروسية من أجل الملف السوري وسواه، وتقديم سوريا لروسيا بشكل لا يقبل الالتباس.

أميركا هذه، وبعيداً عن مصالحها الاقتصادية، تَحكم سياساتها نظرة استشراقية للمنطقة بأكملها، فهي تراها منطقة أديان وطوائف وعشائر، يسودها التنازع والتخاصم والإفناء المتبادل؛ وهي تعمل من أجل ذلك، ولو افترضنا أنها تفهمها كشعوب أو قوميات، فهي ستعيدها إلى خصوماتها السياسية الطائفية القديمة؛ هذا الأمر هو ما دفعها إلى تذكير المجلس الوطني والائتلاف الوطني وكل وفود المعارضة السورية البائسة، أن نظام الحكم القادم عليه أن يحفظ حقوق الأقليات الدينية بصفة خاصة، وفي موقع تالي القومية. هذا الموضوع يعيه النظام جيداً، ولم يتوقف- منذ أن بدأت الثورة السورية- عن القول: إنه يواجه جماعات سلفية وإرهابية ومتصلة مع القاعدة.

المرة الوحيدة التي حزمت فيها أميركا أمرها وقالت إنها ستوجه ضربة إلى النظام، هي بعد مقتلة الكيماوي، حيث وببضعة أيام جهزت نفسها للحرب الخاطفة؛ وهذه جاءت بعد تحذير أميركي واضح، بأن الكيماوي غير مقبول استخدامه، وعلى النظام الموافقة على جنيف، وقد أعطاها النظام أكثر مما توقعت، فنال بسبب ذلك الشكر والثناء؛ النظام يعرف جيداً وبالتعاون مع الأميركان، متى عليه أن يتراجع ويقدم التنازلات «للعم سام» كي لا يغضب كثيراً. إذن تصفية الكيماوي أرضت أميركا، وحققت تصفيةً للسلاح الإستراتيجي مع الدولة الصهيونية، وبالتالي أوقفت العملية العسكرية تماماً، وأصبح جنيف مسألة جيدة للجدل والحوار الدولي، أي للثرثرة.

المشكلة الكبرى، التي تجعلنا نطرح نقاش الموقف الأميركي، هو تعويل المعارضة عليها، فالأخيرة لم تتوقف يوماً، وحتى ما قبل الثورة السورية، عن الإشادة الغبية بدور أميركا العالمي، والتغني بفضائلها الديمقراطية والليبرالية العولمية ضد الشموليات، ولذلك وحالما بدأت الثورة كررت تلك المعارضة، الحكاية الغبية ذاتها، وأوهمت قطاعات واسعة من الثورة بإمكانية ذلك التدخل؛ وهو ما خلق مناخاً بإمكانية ذلك، وشكل ذهاب «السفير فورد» إلى حماه في آب من عام 2011 إضافة في هذا الإطار، ولم يمانع النظام حينذاك، وذلك لإظهار الثورة كمؤامرة إمبريالية عليه. إذن وبدلاً من الوعي بالدور الأميركي المنسحب من المنطقة، عكس عام 2003 حيث كان يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة برمتها، بقيَ ذكاء المعارضة في 2003 وربما قبل ذلك، وبالتالي أوقعت المعارضة الشعب بمشكلات إضافية، أخرت انتصار الثورة وعقدتها بل ودفعتها نحو ما أراده لها النظام أي تحولت قطاعات فيها، من هدف إسقاط النظام وبناء نظام مدني لكل السوريين، إلى السعي لبناء حكم إسلامي.

في سلة اتفاق بجنيف ومنذ جنيف1 التفاوض مع إيران، حليفة النظام السوري وداعمته الأولى. التفاوض معها يتم بخصوص النووي، وإبقائه عند حد معين، مع دور فاعل لها في المنطقة. إسرائيل والسعودية يرفضان ذلك، ولكن الموقف الأميركي، لا يمتلك خيارات أخرى بسبب أزماته، ولأن إيران لا تشكل فعلا خطرا كبيرا على المصالح الأميركية، بل وتحفظها في العراق وأفغانستان والخليج أيضاً. هذا الأمر يجعل أميركا ترفض الفهم القاصر للمعارضة بإبعاد إيران عن المفاوضات، وتضغط عليها لتقبل الإشراف الروسي على مرحلة انتقالية لاحقة، وقد يتم التخلي عن المصالح الإيرانية في سوريا، مقابل ضمان ذلك في البحرين ولبنان والعراق.

أي في حسابات السياسة الأميركية، إيران فاعل إقليمي، وربما هذا ما دفع الائتلاف الوطني والجيش الحر في الشهر الأخير، إلى إعلان موقف رافض من إيران بالتحديد، وأن اتفاق جنيف يجب ألا توجد فيه إيران هذه، وهذا يتم بتوصية سعودية بالتأكيد.

إذن لا موقف أميركي خاص بالثورة السورية، وليست الثورة السورية من أولوياته أصلا، بل هناك جملة مصالح تخص المنطقة برمتها، وهذا سيكون على حساب الثورة، واعتبارها أداة وظيفية لإعادة تموضع المصالح الأميركية، بما يُبقي المنطقة في حالة عدم استقرار، ويُدخل روسيا فيها كطرف فاعل وبالتالي تعمها صراعات متعددة الأشكال؛ الدينية والطائفية والقومية؛ إذ تلعب أميركا لعبتها الكبرى بتدمير الثورات الشعبية المناهضة للسياسات الليبرالية وحرفها نحو حروب أهلية، وليس بالضرورة أن تدخل باستقرار سياسي أيضا؛ بل يكفي وجود أنظمة بوليسية مع ديمقراطية ضعيفة، تكون مهامها محاربة الجماعات الجهادية وضمان مصالحها، ولتغرق روسيا في المنطقة بجملة من المشكلات المعقدة، ولتتكسر وهي تحاول اقتسام العالم، وفرض نفسها كامبريالية عالمية. هذه من ألاعيب الدول الإمبريالية، وهذا ليس بجديد على أميركا وهي الخبيرة بكل ذلك؛ الرفض السعودي لن يجدي نفعاً، وتنحصر خيارات السعودية نحو روسيا أو الصين أو أوروبا، ولكن الأخيرة غير فاعلة وتتملكها الأزمات، إذن ليس في الأفق سوى روسيا وحليفتها الصين… وهو ما يوصلنا إلى نتيجة خطرة، تقول بإمكانية حدوث توافق سعودي روسي؟!

هل هذا ممكن؟ سيما وأن روسيا صديقة النظام السوري، وقد رفضت عروضاً سعودية حينما زارها الأمير بندر رئيس الاستخبارات العامة. رفض السعودية لمقعد مجلس الأمن، والاحتجاج ضد الأميركان، وضرورة عقد جنيف والتحركات الدولية من أجل جنيف، سيأخذ وقتاً، لن تتجه فيه السعودية نحو روسيا كلية، عدا عن غباء الروس، وعدم وعيهم بمصالحهم الحقيقية المرتبطة في هذه الفترة بالنظام السعودي تحديدا، والتخلي عن النظام السوري، أو القيام بموقف متقدم ضدّه.

إذن. أميركا تخفف من هيمنتها على المنطقة، ولكنها تغرقها بمشكلات معقدة؛ فتشوه ثوراتها، وتدعم الإخوان المسلمين، وتعترف لإيران بدورٍ إقليمي ونووي محدود، وتقر لروسيا بمصالحها بسوريا، وتهمش السعودية أكثر فأكثر. هذا ما فعلته بالثورة السورية بالضبط.


كاتب سوري

8