في التبرّم من التفكير النقدي الفلسطيني

الساحة الفلسطينية بحاجة إلى عقلية نقدية تغييرية لأن الوضع تجاوز مجرد الإصلاح أو الترقيع، وهذا يعني أن الأمر بات يتطلب القطع مع العقلية الفصائلية الضيقة.
السبت 2020/08/15
فلسطين بحاجة إلى القطع مع العقلية الفصائلية الضيقة

ثمة اعتقاد يجري الترويج له في أوساط الطبقة السياسية السائدة، في الساحة الفلسطينية، مفاده أن النقد السياسي للتجربة الفلسطينية (المنظمة والسلطة والفصائل)، بخطاباتها وبناها وممارساتها وعلاقاتها وأشكال عملها، زاد عن حدّه، أو إنه بات يشكل تهديدا للبديهيات الوطنية المؤسّسة، أو إنه يضمر تنكّرا للإنجازات المتحققة أو للتضحيات المبذولة. في حين أن ذلك مجرد اعتقاد خاطئ ومتسرّع ومتعسّف، وينطوي على التهرب من الحقيقة، ومن تحمل المسؤولية عن الأوضاع التي وصلت إليها الساحة الفلسطينية.

في البداية ينبغي التوضيح بأن التجربة الفلسطينية، في الأردن ولبنان والضفة وغزة، وفي ميدان الكفاح المسلح أو المفاوضات أو الانتفاضات، أو في ما يتعلق ببناء المنظمة والسلطة، لم توضع مرة على طاولة المراجعة والدراسة والتشريح والنقد والمساءلة، رغم كل التحولات والإخفاقات والمشكلات والتعقيدات الحاصلة، لتجربة طويلة عمرها 55 عاما، علما أن الساحة الفلسطينية تفتقر إلى التفكير النقدي، وإلى الكوادر الشرعية أو الجمعية التي يفترض أن تقوم بمراجعة الخيارات والسياسات، لترشيدها أو تصويبها أو تطويرها أو تغييرها. وبديهي أن ما نتحدث عنه يتعلق بالنقد المسؤول والبناء، الذي يصدر عن روح وطنية، في حين السائد من النقد الفصائلي مجرد مزايدات أو ادعاءات لا تقدّم ولا تؤخّر، أي لا يمكن وضعها في إطار التفكير النقدي؛ هذا أولا.

ثانيا، إن المحاولات النقدية الجادة تحاول أن تطرح الأسئلة الصعبة والمعقدة، الناجمة عن تعقيدات الواقع، ومآلات تجربة طويلة وباهظة الثمن، في وقت باتت فيه الفصائل، أو الطبقة السياسية المهيمنة، لا تضيف شيئا على هذا الصعيد، سوى حرصها على استمرار الواقع القائم، علما أن تلك الطبقة هي التي أزاحت البديهيات الوطنية المؤسسة، وهو ما حصل في عقد اتفاق أوسلو 1993، لجزء من شعب في جزء من أرض مع جزء من حقوق (في الضفة وغزة)، وبنقل الرواية الوطنية المتأسسة على النكبة 1948 إلى الرواية المتأسسة على الاحتلال الذي بدأ عام 1967، وما حصل أيضا من نقل الحركة الوطنية الفلسطينية من كونها حركة تحرر وطني إلى سلطة، تحت الاحتلال، والذي عكس نفسه في تهميش منظمة التحرير الفلسطينية.

لذا فإن أي نقد لهذه التحولات غير الشرعية، إنما يتطلب استعادة التطابق بين الأرض والشعب والقضية، واستعادة الحركة الوطنية الفلسطينية لطابعها كحركة تحرر وطني، وإعادة بناء منظمة التحرير الوطنية، باعتبارها ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني في كل مناطق وجوده دون استثناء. أي أن وحدة الأرض والشعب والقضية يفترض أن تنعكس في الجانبين، الرؤية السياسية، وفي الكيانية السياسية (منظمة التحرير)، وهي المراجعة التي أسهم في التأسيس لها “ملتقى فلسطين” (wp.me/pbemW1-Pn)، الذي يضم مجموعة من الشخصيات من كل أماكن تواجد الشعب الفلسطيني (وضمن ذلك من فلسطينيي 48).

ثالثا، أما في خصوص ادعاء التنكّر للإنجازات المتحقّقة والتضحيات المبذولة، فربما يجدر ملاحظة أن قيادة منظمة التحرير هي التي همّشت المنظمة، أكثر من أي طرف غيرها، وهي التي أضعفت إدراكات الفلسطينيين لقضيتهم ولكونهم شعبا واحدا، وهي المسؤولة عن تراجع مكانة القضية الفلسطينية في الأجندات العربية والدولية، أما التضحيات المبذولة فهي قدمت من أجل حقوق شعب فلسطين، وليس من أجل إقامة سلطة ثمة ملاحظات عديدة عليها في ما يتعلق بالشرعية أو النزاهة أو الأهلية الوطنية أو القيادة الفردية، ناهيك عن الارتهان طويلا لاتفاقات التنسيق الأمني والتبعية الاقتصادية.

رابعا، إن الانطباع الاستنكاري، الذي تروّج له القوى الفلسطينية المهيمنة، إذ ينطوي على تبرّم، وربما خشية، من تولّد أفكار نقدية في الحقل السياسي الفلسطيني العام، فإنه ينطوي أيضا، على اختزال للسياسة، وإصرار على خصخصتها، على طريقة الأنظمة، بجعلها احتكارا للطبقة السياسية المسيطرة، بمعزل عن معظم الشعب، وبغض النظر عن علاقات المأسسة والتمثيل والمشاركة السياسية.

خامسا، أما في ما يخص النقد السائد بين الكيانات السياسية الفصائلية فهو بالذات الفائض عن الحاجة، لأنه مجرد نقد فصائلي، وسطحي ومضرّ، ولا جدوى منه، بما يتعلق بإيجاد حلول لمعضلات الساحة الفلسطينية، أو بشأن الارتقاء بفكرها السياسي. لذا ينبغي هنا التمييز بين النقد الذي تنتجه الفصائل في صراعاتها البينية، والذي يصدر عن عقليات أو حسابات فصائلية ضيقة، وبين النقد السياسي الذي يصدر عن عقليات وطنية تأخذ في حسبانها المصلحة العامة. وفي العموم فإن النقد الفصائلي المرهق والعبثي والمضرّ، ينطوي على العديد من الادعاءات وضمنها، ادعاء احتكار الحقيقة والنزاهة والشرعية والوطنية، فكل من الكيانات السياسية يدعي حق احتكار كل ذلك، هذا ما تدعيه “فتح” و”حماس”، والجبهات الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب وغيرها. هكذا فمن الصعب أن تنتزع اعترافا من أي كيان من هذه الكيانات السياسية، مهما كان حجمه أو دوره صغيرا، إن في مواجهة العدو أو بالنسبة لمكانته عند شعبه، بأقل من هذه الادعاءات. كما لا يمكنك انتزاع اعتراف من التنظيمات الكبيرة بمسؤوليتها عن مسار التدهور الحاصل في الساحة الفلسطينية، على الأقل بالقياس لحجمها ودورها، فما دامت مسؤوليتها القيادية كبيرة، فهذا يستدعي أن مسؤوليتها عما وصلت إليه الساحة الفلسطينية كبيرة أيضا.

والحال فإن كل من حركة فتح وحماس تعتبر نفسها عصيّة على النقد أو فوق النقد، ويمكن تفسير ذلك بسيادة نمط من العقليات المغلقة والأبوية، وغياب علاقات المكاشفة والمساءلة والمحاسبة، لأن هذه الفصائل لم تتأسس على قواعد تمثيلية وانتخابية وديمقراطية. هذا يفسّر أيضا، أن بعض الفتحاويين يرون أنه ينبغي تركيز النقد على “حماس” والجبهات، وبعض الحمساويين يعتقد بتركيزه على “فتح” والجبهات، والبعض من الجبهات يرى تركيزه على “فتح” و”حماس”…!

قصارى القول، إن الساحة الفلسطينية بحاجة إلى عقلية نقدية تغييرية، أي تجديدية وتطويرية، لأن الوضع تجاوز مجرد الإصلاح أو الترقيع. وهذا يعني أن الأمر بات يتطلب القطع مع العقلية الفصائلية الضيقة، التي سادت في المرحلة الماضية، بعد أن تآكلت هذه الفصائل، وتآكل حضورها في المجتمع وفي ميدان الصراع ضد إسرائيل، من دون أن يشكل ذلك قطعا مع الخبرة الوطنية التي تم اكتسابها، ولا مع الإنجازات التي ينبغي صونها والبناء عليها وتطويرها.

8