في التوافق والتنافق

الأحد 2014/09/21

تقول حركة النهضة الإسلامية إنها لا تريد أن تقدم مرشحا منها للانتخابات الرئاسية التي ينتظر أن تجرى في دورتها الأولى في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، لكنها تدفع باتجاه التصويت لـ”مرشح توافقي”، وتوهم أكثر من مرشح أنها وراءه.

وقالت قناة المتوسط المقربة من “النهضة” إن نواب الحركة قدموا تزكيات لثمانية مرشحين للرئاسة، لكنها عزت الأمر إلى مبادرات شخصية وليس إلى توجه رسمي، وإن كان المراقبون يعتبرون الأمر مرتبا ومحسوبا.

ويرجح المراقبون أن توسيع دائرة المستفيدين من أفضال “النهضة” حيلة ذكية من الحركة تريد أن تحقق من ورائها عدة أهداف، والهدف الأبرز هو الاستجابة لضغوط دولية سبق أن طلبت منها الاستقالة من الحكومة والتخلي عن حلم الهيمنة على السلطة في تونس، وهذه الضغوط هي التي دفعت “النهضة” وخاصة رئيس الحركة راشد الغنوشي للتسويق لما يسميه خيار “التوافق” لتجنيب البلاد السيناريو المصري الذي سعى فيه الإخوان إلى مواجهة ماكنة الدولة فسحقتهم.

لكن الغنوشي يريد أن يحقق من الشعار-الخيار أهدافا أخرى يستعيد بها السيطرة على الوضع، ومنها الإيهام بأن الحركة تقف وراء أكثر من مرشح حتى إذا صعد أحدهم إلى سدة قصر قرطاج راعى أن “النهضة” وقفت معه ودعمته ويكون رئيسا مطيعا حافظا للجميل مثلما فعل رئيس الحكومة الحالي مهدي جمعة.

من ذلك أن ثلاثة نواب من كتلة الحركة في المجلس التأسيسي زكوا كمال مرجان من حزب المبادرة (وهو وزير الخارجية والدفاع في عهد بن علي) ليتمكن من التقدم إلى الانتخابات.

كما مكنت غريمها التاريخي، وأحد وجوه اليسار الراديكالي، حمة الهمامي من صوت أحد نوابها ليحصل على تزكية 10 نواب كحد أدنى لقبول مطلب ترشحه للانتخابات الرئاسية، وهي تروّج أيضا إلى كونها تدعم أسماء أخرى مثل نجيب الشابي والمنصف المرزوقي ومنذر الزنايدي.

وإذا كان هناك من يمدح فيها القدرة على المناورة باللعب على الحبال، فإن المسألة في اعتقادي تعكس أزمة عميقة لدى هذه الحركة التي عجزت خلال أكثر من ثلاثين عاما عن تحديد هويتها الثقافية والسياسية، ما يفسر تذبذبها في المواقف يمينا ويسارا.

التوافقات أو التحالفات تتم في التقاليد السياسية بين أحزاب وحركات من داخل المنظومة الفكرية، وتنبني حول القضايا الجزئية وليس حول الملفات الكبرى. ففي أوروبا التحالفات تكون بين المحافظين والليبراليين في مواجهة اليسار أو العكس.

لكن “النهضة” جربت التحالف مع اليسار في ما يسمى بحركة أكتوبر 2005، وجربت التحالف مع السلفيين في ما بعد انتخابات أكتوبر 2011، وهي تجرب الآن التحالف مع الكل ضد الكل. والمفارق أن التحالف لا يتم على مضامين وبرامج وإنما لالتقاءات ظرفية تكون أحيانا على حساب مرجعيّتها الكبرى.

فلمجرد أن حركة 18 أكتوبر 2005 كانت التقاء ضد بن علي، انضمت إليها النهضة وأمضت فيها على وثيقة تنص على منع تعدد الزوجات، وهي قضية خلافية داخل النهضة احتكمت فيها لآراء شخصية وليس لاجتهادات فقهية جماعية ملزمة وإلا لكان انسحب منها الكثير من الشيوخ ذوي التوجه السلفي.

وفي تناقض مع انفتاحها “الاجتهادي” مع جماعة 18 أكتوبر التي ضمت الكثير من اليساريين، عملت “النهضة” ما بعد الثورة على تقوية صلاتها بالمجموعات السلفية التي لا تؤمن سوى بقراءة حرفية للنصوص تكفّر فيها الديمقراطية واليسار والليبراليين والنهضة ذاتها.

والتفسير الوحيد لدفاع الغنوشي عن “أبنائه السلفيين” مثلما سمّاهم، هو استقطابهم كورقة في المظاهرات والانتخابات لمواجهة الخصوم وابتزازهم، لكن ذلك الخيار كاد يحرق النهضة والبلاد كلها حيث استفاد المتشددون من حكمها ليهربوا السلاح ويقيموا المعسكرات وينتقلوا إلى الجبال لمواجهة الدولة.

والسؤال المهم هنا: على أي أساس تدعم “النهضة” مرجان أو الهمامي أو الزنايدي أو الحامدي أو حتى المرزوقي وتمنع ذلك على حمادي الجبالي أحد قيادييها التاريخيين؟ أي مشترك بينها وبينهم تم حوله التوافق أو الالتقاء؟

يبدو لي الأمر على غاية من الغرابة، وأننا أمام ظاهرة أخرى غير التوافق، تكون نفاقا من جانبها، أو تنافقا (تشاركا في النفاق) بينها وبين من تدعمهم إذا حصل تنسيق أو لقاءات سرية للغرض.

وتستطيع أن تجيب على هذه الأسئلة من خلال جولة سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي، فأبناء “النهضة” المتحررون من ماكنة التنظيم، وجانب من جمهورها الانتخابي يتهمها صراحة بأنها خانت “الثورة” وأنها أعادت رسكلة رموز المنظومة القديمة ويحملها مسؤولية إعادتهم إلى الواجهة بعد رفض قانون “تحصين الثورة”.

وفي الشق المقابل الذي ينتمي إليه بعض من زكتهم الحركة من مرشحي الرئاسة تظهر “النهضة” كحركة داعمة للإرهاب ومحرضة على تقسيم المجتمع، وهناك مخاوف وتحذيرات من أن تنجح في التسلل إلى المؤسسات الحساسة.

فماذا حقق لها التوافق، ولماذا سعت له كل هذا السعي حتى أن قيادييها لا يفتأون يرددون كلمة “التوافق” وكأنما هي مفتاح السر الذي تخفي به أزمتها عن العيون.

لا شيء بالتأكيد سوى أن خيار الهروب إلى الأمام يؤجل فتح لحظة المواجهة بينها وبين خصومها، وبينها وبين منتسبيها الذين لا يعرفون بعد هل هم في حركة دينية أم علمانية، هل يتبنون الديمقراطية واحترام الرأي المخالف أم أن الأمر لا يعدو أن يكون حيلة لتجاوز عاصفة الضغوط الدولية.

يشار إلى أن الحركة أجّلت مؤتمرها إلى ما بعد الانتخابات خوفا من فتح ملفات العشرين سنة الأخيرة التي اختارت فيها القيادة المواجهة الحامية مع السلطة ثم فرت إلى الخارج وزجت بالآلاف من أبنائها في السجون.

لكن المحللين والعارفين بشؤونها يقولون إن لحظة المحاسبة اقتربت وأصبح بيد الغاضبين أوراق كثيرة، وأن اجتراح مقولة التوافق، التي قد تنقذ الحركة من السيناريو المصري، لن يغلق الملف القديم.

2