في الثورة السورية وإعلامها

الثلاثاء 2014/01/28

تم إطلاق عدد من الدعوات للتظاهر والاعتصام أمام مقر الأمم المتحدة في جنيف للتضامن مع الشعب السوري، والضغط باتجاه إدانة الجرائم التي ترتكبها عصابات النظام السوري بحق السوريين على مدى ثلاث سنوات، والمطالبة بوضع حد لذلك. وكانت الصور التي نشرت قبيل انعقاد المؤتمر والتي فضحت الممارسات الوحشية لأجهزة السلطة السورية بحق آلاف المعتقلين وصولا إلى قتل أكثر من 11000 ألفا منهم تحت التعذيب، عاملا مساعدا لجذب المتضامنين العرب والأوروبيين للمشاركة في هذا التحرك. لكنني لم أتوقع نتيجة كبيرة لهذه الدعوات منذ إطلاقها. وهذا، للأسف، ما كان.

من عايش أحداثا كبيرة وخطيرة مثل انتفاضات الشعب الفلسطيني، واحتلال العراق، والحرب على لبنان (2006)، والحرب على غزة (2008-2009)، وتابع حركة الشارع في العواصم العربية والعالمية، المتضامنة أو المنددة، ومن تابع احتجاجات القوى المناهضة للرأسمالية التي تلاحق مؤتمرات القوى المهيمنة الكبرى من مدينة إلى مدينة ومن بلاد إلى بلاد، ثم يرى التجاهل المربك شبه التام من قبل هذا الشارع لما يدور في سوريا من فظاعات على مدى ثلاث سنوات، لا بد بأن يقف مذهولا. لماذا هذا التجاهل لكل هذا القتل ولكل هذا التدمير ولكل هذا التنكيل؟

جميع المهتمين بشأن الثورة السورية وبالأخص قواها، هي المتضررة أشدّ الضرر من هذا الواقع المستمر، يقعون تحت مسؤولية سياسية وأخلاقية تفرض عليهم الإجابة عن هذا السؤال، وبشكل ملح. وهنا لا بد من البحث، سواء في طريقة عمل إعلام الثورة أو حتى في طبيعة ومكونات وتوجهات “قوى الثورة” ذاتها وطريقة عملها. لا شك أن القوى المعادية للثورة ومن جميع الانتماءات الوطنية والأيديولوجية والسياسية في كل بلدان العالم قامت بالدور المنوط بها على أكمل وجه، سواء إعلاميا أو سياسيا، مدعومة بمنظومة واسعة مكّنتها من ذلك، سواء في تزوير الحقائق أو في التركيز على أخطاء وخطايا المتخندقين في الثورة، أو في محاولة إخفاء جرائم كبرى يرتكبها النظام، وبالتالي نشر وجهة نظر النظام بكل أمانة وبالشكل الذي يتناسب مع البيئات السياسية التي تنتمي إليها تلك القوى.

فأدعياء العلمانية هبّوا للدفاع عن قلعة العلمانية الأخيرة في الشرق، والقوميون هبوا للدفاع عن آخر معاقل القومية العربية، والمقاومون هبوا للدفاع عن دولة الممانعة العربية الوحيدة، والديمقراطيون هبوا لمناوءة قوى الرجعيات العربية وبالأخص الخليجية ولمناهضة المشروع الأميركي الصهيوني في المنطقة، والفاشيون الشيعة هبوا للنيل من يزيد وللثأر للحسين.. فشكل هذا الكل منظومة سياسية إعلامية واسعة، كل في دائرته، ليتشكل رأي عام معاد للثورة السورية عربيا وعالميا.

من الجانب الآخر، يبدو أن قوى الثورة السورية اتكلت أكثر مما يجب على إعلام عربي ودولي يشهِر العداء للنظام الأسدي، باعتبار أن كل من هو ضد الأسد يخدم الثورة. دون الالتفات إلى صدقية هذا الإعلام أو إلى مدى تقبل روايته من قبل القوى الاجتماعية المؤثرة عربيا ودوليا في ظل المتغيرات الكبرى التي تجتاح الوطن العربي والعالم.

لا بد من وقفة، ومن مراجعة نقدية مسؤولة للمسيرة الإعلامية التي انتهجها إعلام الثورة السورية محليا وعربيا ودوليا. فرغم آلاف الوثائق التي نشرت ورغم كل هذا الحبر الذي سفح في آلاف المقالات والتحليلات، لازالت حركة التضامن مع الشعب السوري أقل من خجولة.

فهل النظام الأسدي يمثل كل تلك القيم التقدمية التي طالما رفعتها حركات التضامن حيال القضايا التي دفعت مئات الألوف للخروج إلى الشارع؟ وهل الثورة السورية تقف ضد كل تلك القيم؟

إن إشاحة النظر عن تلك القضية طيلة ثلاث سنوات من عمر الثورة السورية، ومن المعاناة المأساوية للشعب السوري على أيدي عصابات النظام الدموية، والاستمرار في ذلك، يقدمان للنظام خدمة جليلة ويدفع العالم إلى مزيد من التجاهل.

دعوني أقول إنه، وإضافة إلى تخاذل من نُصِّبوا ممثلين للثورة وللشعب السوري ومن يفاوض باسميهما في الخارج، في التعريف بدقة بمجريات هذه الثورة وبالجرائم ضد الإنسانية التي ما انفك النظام يرتكبها، فإن “إعلام الثورة” بحاجة إلى إعادة نظر جذرية ليتخلص من الخروقات المختلفة سواء من قبل أدوات النظام ذاته أو من قبل قوى الثورة المضادة الظلامية، أو من الهواة الذين لا علاقة لهم لا بالثورة ولا بالإعلام. وليتوقف عن الرهان على إعلام الرجعيات العربية التي لم تكن يوما في خدمة التغيير والثورة. بالمناسبة، من منا لم يلاحظ الأداء الرديء لـ”إعلام الثورة” في مؤتمر جنيف2؟

لازالت الثورة السورية في يُتمها، تواجه نظام القهر الذي يحكم العالم، ولا زال الشعب السوري يدفع فاتورة الدم والدمار والتشرد نيابة عن كل الشعوب المضطهدة في صراعها من أجل التحرر، ما يوجب على جميع الشعوب الانتفاض لنصرتها ودعمها بكل ما يؤدي إلى انتصارها. ولكن، هل من يبلّغ الرسالة؟


كاتب سوري

8