في الحاجة إلى الكتابة النقدية

الاثنين 2015/05/25

يستبدّ بي سؤال جذري وبسيط في نفس الآن: هل يمكننا كعقلانيين، وإنسانيين، وتنويريين، ومبدعين، وشعراء، وروائيين، وصحفيين، أن نعتبر الكتابة رهانا مضمون الباب ومؤتمن الجانب في معركتنا ضدّ الجهل والتخلّف والتطرّف؟ أم خلاف ذلك يجب البحث عن رهانات أخرى خارج الكتابة؟ هل بوسعنا أن نضع ثقتنا، كل ثقتنا، في الكتابة كفعل وأفق ورهان؟

لا أزعم امتلاك الإجابة الكافية الشّافية عن هكذا سؤال محرج ومزعج، لكن حسبي أن أجعل السؤال مبررا. وليس يخفى أنّ تبرير الأسئلة أصدق أنباء من تقديم الأجوبة. ولنبدأ من نقطة البداية: لماذا نكتب؟

إذا طرح كل واحد منّا هذا السؤال على نفسه، لماذا أكتب؟ ثم فكر وتأمل مليّا فلن يجد في آخر المطاف إلا جوابا واحدا: لا أعرف. هذا أدقّ وأعمق وأصدق جواب عن السؤال، لماذا أكتب؟ وهذا يعني – يا للغرابة – أننا على الأرجح نفعل شيئا لا نعرف لِماذا نفعله؟ الجدير بالملاحظة أيضا أن حتى الذين فكروا في السؤال لِم الكتابة؟ تناولوه وتأملوا فيه بواسطة الكتابة نفسها. الأمر أشبه ما يكون بعملية التفلسف. حين نفكر في السؤال، لماذا نتفلسف؟ فإننا سرعان ما نشرع في التفلسف.

لكن، بالنسبة إلى التفلسف فإننا على الأقل نعرف نوع المشاعر التي قد تدفعنا إلى التفكير الفلسفي: الوجود والزمان والأبدية والكون والكينونة والعدم.. إلخ. لكن بالنسبة إلى الكتابة ليس الأمر واضحا. إننا على الأرجح لا نستطيع أن نعرف الدافع إلى الكتابة. لماذا نكتب؟ هل نملك إجابة أخرى غير الإجابة السقراطية الشهيرة، كل ما أعرفه أني لا أعرف شيئا؟ لكن، لا ننسى هذا، فقد كان بوسع سقراط توليد الإجابة من محاوريه، أما نحن فلا نملك هذه الإمكانية. حين نفعل شيئا لا نعرف لِم نفعله، فهذا يعني أننا نفعله بلا ضمانات عقلانية، بل لعلّنا نفعله لدوافع لاعقلانية، من يدري؟ على الأقل يبقى هذا احتمال وارد ولا يجوز استبعاده.

والآن بوسعنا أن نعبّر عن توجسنا بنحو فصيح صريح: ماذا لو كانت الكتابة لا تخدم قضايا العقلانية والحرية والإبداع والتطور الإنساني؟

لعلي أحتاج إلى شواهد إثبات لتبرير هكذا توجّس. سأفعل. لنأخذ مثالا أدبيا. كلنا نعرف حكاية ألف ليلة وليلة. طيب، نشأت الحكاية وتشكّلت ضمن السياق الشفوي، وتناقلتها شعوب متنوعة وحضارات متعددة وثقافات متفرقة وأجيال متعاقبة، من الهند وفارس إلى الحضارة العربية الإسلامية بمكوناتها المتنوعة، جميعها ساهمت فيها، ووسمّتها بمياسمها، وطبعتها بطبائعها، قبل أن تنتهي إلى صيغتها النهائية عند تدوينها في الأخير. لا ننكر أن التدوين حفظ الحكاية لكنه جمّدها أيضا وأغلقها ولم يعد الإبداع فيها ممكنا. ويبقى السؤال مبرّرا: هل جاءت الكتابة هنا في مصلحة الحكاية التي أراد لها عنوانها ألا تقفل في العدد ألف وإنما تنحو نحو اللاتناهي، ألف ليلة وليلة.. إلخ؟ فالليلة الأولى التي بعد الألف تفتح متتالية جديدة. لكن، هل بوسعنا أن نعمّم هذا التوجّس على مجالات أخرى؟ لنأخذ موضوع الدين والذي يقع في صلب اهتماماتنا.

هنا أيضا نحبّ أن نبدأ من نقطة البداية، وهي النقطة التي تجعلنا ندخل مباشرة إلى الموضوع، النص القرآني. أي نعم، ليس القرآن الكريم في أساسه بنص وإنما هو خطاب. لم يتخذ هذا الخطاب طابع نص إلا بعد اكتمال صيرورة تدوينه، فيما يسمّيه البعض بمصحفة القرآن. قبل ذلك، فإنّ الطابع الغالب على القرآن الكريم أن يكون متفرقا في الصدور وموزعا بين بعض البيوت وفق ترتيبات مختلفة على أوراق وجرائد وجلود وأشياء تخص كتبة الوحي. وكان هذا المخزون يضم كل ما نزل من الوحي، بما في ذلك الآيات التي ستندرج لاحقا في باب ما نُسخ لفظه وبقي حُكمه أو معناه، أو ما نُسخ لفظه ونُسخ حُكمه أو معناه أيضا. وفي الواقع، طيلة حياة الرسول وبداية الخلافة الراشدة لم يكن هناك من نص يمثل سلطة مغلقة على عقل الإنسان. وهذا ما أتاح للخلفاء الراشدين أن يجتهدوا في الكثير من القضايا الدينية. مثلا، تعطيل عمر لحد السرقة أثناء فترة المجاعة، وتحريمه لزواج المتعة، ودعوته إلى أداء صلوات التراويح في المساجد.. إلخ.

بعد مصحفة القرآن الكريم، أي تحويله من خطاب إلى نص يسمّى بالمصحف – وقد تم هذا عقب وفاة الرسول بعدة سنوات – جاءت مرحلة أصححة الأحاديث، أي تحويلها من مرويات شفهية إلى نصوص تسمّى بالصحاح – وقد تم هذا بعد وفاة الرسول (ص) بعشرات السنين – فأصبح العقل الاجتهادي أمام نص مدون، مبوب، مغلق، ملزم، ويمثل سلطة ليس للعقل إزاءها سوى هامش من التأويل. ثم تفرّعت عن سلطة النص نصوص أخرى لشيوخ وفقهاء مثلت في مجموعها نوعا من التضخّم في سلطة النّقل على حساب ملَكة العقل. وأخيرا أصبحت كلمة الكتاب الديني تحيل إلى كل ما كتبه ويكتبه بشرٌ عاديّون باسم الدين. وبهذا المفعول السحري أصبحت حتى كتب سيد قطب ومحمد قطب والمودودي والقرضاوي تندرج ضمن مفهوم الكتاب الديني والذي له سلطة مطلقة على عقل الإنسان.

والآن، إذا لم تكن الكتابة حليفا مؤتمنا للعقلانية فما الحل؟ هل نتوقف عن الكتابة، فنراهن مثلا على الأسلوب الشفهي الذي انتهجه سقراط؟ لكن هل أمكن لسقراط أن يتمتع في الأخير بأي وجود خارج نص أفلاطون المدون؟، مؤكد أن التاريخ ظهر مع ظهور الكتابة، ما يعني أنّ الانسحاب من الكتابة قد يكون بمثابة انسحاب من التاريخ، قبل أن يكون انسحابا من رهانات المعرفة.

بالفعل، قد تتحول بعض الكتب إلى سلطة ضد العقل، وقد يحدث هذا حتى في المجالات غير الدينية. نذكر الكتاب الأخضر للقذافي على سبيل المثال، نذكر أيضا الكتاب الأحمر لماو تسي تونغ، إلخ. ما العمل؟ إزاء المنزلق التسلّطي للكتابة لن يخرج الحل عن الكتابة نفسها، أقصد، الكتابة النقدية.

خلاصة القول، إن الكتابة النقدية سلاح الكاتب التنويري ضدّ كل أشكال الحجر والوصاية والتسلط على عقل الإنسان، حتى ولو كان هذا التسلط يتم باسم سلطة كتاب أو بعض الكتب.

كاتب مغربي

8