في الحاجة إلى معجزة سورية

الأربعاء 2013/11/27

بعد مرور شهر على انطلاق الثورة السورية كتب المفكر السوري برهان غليون مقالاً اعتبر فيه خروج السوريين في وجه آلة القمع والقتل الأسدية بمثابة المعجزة، التي لم يكن أحد يتنبأ بها، إذ كان مجرد التظاهر حدثاً استثنائياً في ظل سلطة تعد الأعنف على المستوى العربي، بل والدولي، وقد دأبت منظمات حقوق الإنسان وحرية الصحافة لسنوات على إصدار تقارير توثق بالأرقام والأسماء انتهاكات ذلك النظام، سواء في عهد الأسد الأب، أم في عهد الوريث الإبن.

وقد مر الآن أكثر من ثلاثين شهراً على الانتفاضة الشعبية التي مرت بمراحل، وصعود ونزول، وكسبت مرات وخسرت مرات، ولكن الخروج للتظاهر ما زال يشكل معجزة، خاصة بعد أن غادر سوريا الآلاف من أولئك الذين كانوا نجوم التظاهرات الأولى، وتحولت الثورة إلى فعل كفاح مسلح، رفضه الكثيرون من دعاة السلمية، واعتبروه انحرافاً في مسار الثورة، التي رفعت شعار السلمية منذ بدايتها، لكنها لم تستطع أن تعبر شارعاً واحداً دون أن تواجه لا بزخات الرصاص فقط، بل بمختلف صنوف الأسلحة الثقيلة، فكان الكفاح المسلح خياراً صعباً، لكنه بدا للوهلة الأولى حلاً، وكان الرهان على أن قوات الأسد بصيغتها التي يعرفها السوريون جميعاً، والتي تفتقر إلى أية دراية في العمل العسكري، لن تكون قادرة على قهر الثورة المسلحة، لكن ما لم يكن في الحسبان هو وفود المقاتلين المساندين للأسد من لبنان وإيران والعراق، وكلهم ذوو خبرة لا بأس بها في الأعمال القتالية، وقد سبب هذا خللاً كبيراً في معادلة تقدم الثورة وأدى إلى إطالة أمد الصراع المسلح، والمزيد من النزوح المنظم، والذي ترسم مخططاته قوات الأسد نفسها من خلال زيادة جرعات القصف على المدن والمناطق المطلوب إفراغها من متساكنيها، فسجلت كل من غوطة دمشق، وحمص ودرعا النسبة الأكبر في أعداد الفارين، بعد أن دمر القصف البيوت وفرض النظام طوقا وحصارا خانقاً فمنع كل ما يمكن أن يصل من مواد غذائية وطبية ضمن سياسة الجوع أو الركوع، فلم يقتصر الأمر على معضمية الشام وداريا، لكنه شمل الكثير من المناطق، وكانت حمص النموذج الأول لتلك السياسة.

بات السوريون الآن يشكلون عبئاً على الدول المستضيفة، وهي دول مرهقة أصلاً، إذ تشير الأرقام الدولية إلى أن اقتصاديات لبنان والأردن، مثلا، هي اقتصاديات منهكة وغير قادرة على تجاوز مشاكلها الداخلية، فكيف ستكون قادرة على تجاوز هذا الكمّ الكبير من الوافدين.

كل هذا والحل غائب كلياً، فلا «جنيف2» ولا أية اتفاقيات أخرى قادرة على إعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي، بل ولا حتى على التفكير في مصير النازحين والمهجرين واللاجئين، إذ أن الأمور الآن منصبة بشكل كامل على ترتيب وضع سياسي، سيكون كفيلاً بوضع إطار زمني لانتقال السلطة، أو لأي شيء آخر، لكنه لا يجد جواباً للتساؤل الأهم هو كيف يمكن إعادة تلك الأعداد المتزايدة، وإعادة توطينها في اللا مكان؟

والغريب أن الحكومة السورية المعارضة التي تم تشكيلها مؤخراً واللاجئة بدورها في غازي عنتاب التركية، لا تضم بين وزرائها من ذوي الخبرة واحداً مكلفاً بمتابعة شؤون المهجرين أو النازحين، ولعل هذا ما يمكن أن يسبب خللاً في العلاقة مع هذه الحكومة التي يعلم الجميع أنها لن تكون قادرة على ممارسة عمل واقعي إلا في حال حصلت على حماية وضمانات دولية، بعد أن حصلت على تمويل لا بأس به من بعض المانحين، وستسعى إلى توزيع بعض هذا التمويل على مناطق منكوبة كي تنال قبولاً من السوريين الذين لا يعولون عليها كثيراً، وقد استقبلوا نبأ تشكيلها بشيء من اللامبالاة، والسخرية.

والآن تبدو المعجزة السورية التي تحدث عنها برهان غليون هي في فعل البقاء على قيد الحياة في ظل انعدام أي سبيل لتلك الحياة، وفي ظل استمرار عدّاد الموت والنزوح، فإن سوريا بحاجة إلى معجزة كي تنتهي مأساتها، وكي يتمكن الملايين الذين ينتظرون، من البدء في يوم لا يكون الموت خاتمته المؤكدة.


كاتب سوري

9