في الحاجة إلى مقاومة هيمنة اليمين الأوروبي: المطلوب عقل غرامشي

السبت 2016/09/10

تردد الرجل على العديد من السجون، رغم أنه شاب يافع ومثقف وعليل الجسم. فقد عاملته الفاشية الإيطالية، عندما كانت في أوج انتشارها، بعنف أيديولوجي فاق كل التصورات، حتى أن القاضي الذي حاكمه قال في منطوق حكمه على غرامشي “عشرين عاما، يجب أن يتوقف هذا العقل عن العمل عشرين عاما دون أي نقاش”.

يقول النقاد كيف لا يعامل غرامشي بتلك الطريقة وهو الفيلسوف الذي شرع في بناء مشروعه الثقافي السياسي بنقد ستالين أولا على هيمنته المطلقة وعنفه وقبضته الحديدية، ثم اهتم بالفاشية التي تصيب بلده إيطاليا في عشرينات القرن الماضي بعد أن اقتنع في مؤتمر الأممية الثالثة في موسكو بأن ستالين ليس الرجل المناسب لقيادة الحراك التحرري العالمي، فشرع في رسم ملامح فكرته التي بناها الشاب الطموح على الكتلة التاريخية القادرة على مواجهة منظومة القيم المتطرفة والمتعصبة (التي أسماها الهيمنة) من خلال إشاعة الثقافة والتنوير والنزعة التحررية العقلانية على الناس البسطاء، وهي آلية ابتدعها غرامشي وكانت فعالة وهي “المثقف العضوي”.

يتأسس المثقف العضوي لدى غرامشي على اعتبار فلسفي أولي وبسيط وهو احترام عقول الناس، والتسليم بأن كل الناس فلاسفة ولهم نظرة وفهم محترمان للحياة، وهذا ما يجعل ملامسة هؤلاء الناس تكون عبر آليات نضالية مؤطرة جيدا وقادرة على استيعاب متطلباتهم واحتياجاتهم وأحلامهم، ويكون ذلك مادة نضالية ذات بعدين: الأول تحويل تلك الشحنة من المتطلبات والاحتياجات إلى برامج عملية تمهد للبعد الثاني وهو القيام بحملات تبشير بالفكر التقدمي المستنير الذي يعادي الفاشية والتطرف للتأسيس لواقع منفتح يقدس العمل ويبني اقتصادا قويا لكل الناس.

جعل أنطونيو غرامشي من المجتمع المدني الإطار الأمثل لتنفيذ ما يناضل من أجله، وجعل الحزب في محور العملية التي تتأسس على إشاعة ثقافة الانفتاح والتحرر الاقتصادي والانعتاق الاجتماعي، في رده على النزعة العنصرية والاستعمارية التي كانت تحرك الآلة السياسية الإيطالية الضخمة في ذلك الحين، والتي قادها موسوليني بقسوة الفاشي الدموي الذي لا يرحم.

مات غرامشي بعد أيام قليلة من مغادرته سجن روما المركزي مصابا بحمى خطيرة سببت له نزيفا دماغيا حادا، تاركا وراءه مكتبة محترمة من الوثائق والكتب والرسائل التي دعا فيها الإيطاليين وكل الأوروبيين والعالم إلى نبذ التعصب والتطرف والانغلاق وإلى حب الآخر، وإدماج كل الناس في دورة الثروة واقتسامها بين الناس وسط سياسة معقولة تحترم الإنسان والتفكير ولا تنظر إلى الآخر بتعال أو بشهوة نهش ثروته واستعماره.

انتهت الحرب العالمية الثانية، ووعت أوروبا أخيرا بأن ما كان يحلم به غرامشي يمكن أن يتحقق، فقط شرط الإيمان بقدرة الإنسان على التغيير وإمكانية التحول من التصلب الشديد في التطرف إلى الانفتاح البناء. وعاشت الحركة الإصلاحية الأوروبية على هذا الوقع طيلة عقود طويلة، إلى أن جاء الوقت في هذه الأيام وتعود أحزاب عفا عليها الزمن منذ الأربعينات لتعيد إنتاج الفكر ذاته بالخطاب ذاته حيث لم تتغير سوى الوجوه والأسماء.

فأن يقوم خطاب اليمين الفرنسي على مسلمة أساسية وهي طرد العرب والمسلمين من فرنسا كي يصبح الفرنسيون أفضل حالا فهذا ما كانت تقول به الفاشية والنازية أيام هتلر وموسوليني، بل إن الخطاب من هذا القبيل لم يتوقف عند الحدود الجغرافية الداخلية لتلك الدول، فقد كانت نبرة الاستعلاء هذه محفزة على احتلال شعوب وأمم بحرمتها، جعلت من أوروبا قارة الخراب والجثث المرمية بين جوانب أنهارها وطرقاتها المبللة.

وكل تلك الصور البشعة تعود إلى الأذهان اليوم بمجرد أن يبقى أحدهم مركزا على خطاب أحد زعماء اليمين في ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا أو هولندا. والملفت للانتباه أن هذا الخطاب، يجد صدى له في الشارع العادي للأوروبيين.. لقد بدأوا بالعودة.

كان غرامشي في كتابه “رسائل السجن” ينبه إلى أن التعصب القومي يمكن أن يعود في أي وقت توفر فيه عوامل الأزمة الاقتصادية مصحوبا بتعطيل في دورة الإنتاج يتعلق بتقسيم العمل. فتتدخل الفاشية في هذه الحالة في شكل منقذ للناس بدعوتها إلى الانغلاق المرحلي وطرد الأجانب للتخلص من العبء الإضافي، ويكون ذلك عبر الهيمنة الثقافية والدعوات الشعوبية إلى الانتصار للنقاء القومي. هذا ما يحدث تقريبا في أوروبا اليوم، وهذا ما يفرض على الحركات التحررية أن تنبه إليه، فقد تفوت فرصة إيقاف هذا المد عن الوصول إلى السلطة، وإذا وقع ذلك فليتأهب العالم لحريق كبير لا ينتظر سوى شرارة انطلاقه بحماقة أحد اليمينيين هنا أو هناك.

صحافي من تونس

6