في الخلاف التركي السعودي مصلحة لروسيا

الجمعة 2018/10/19
صدام على جميع الجبهات

إن وصلت الأزمة بتركيا والسعودية إلى حد الصراع العلني وأخذت الولايات المتحدة صف إحداهما، فمن المرجح للغاية أن يتوصل أردوغان إلى وجود رجل واحد يمكنه اللجوء إليه: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

في أزمة الصحافي جمال خاشقجي، نحن أمام روايتين لا ثالث لهما: الطرح التركي الذي يقول إن الفريق السعودي المكون من 15 شخصا والذي أتى إلى إسطنبول يوم الثاني من أكتوبر إما قد قتله وإما أنه قد اختطفه. وبينما تقول الرواية السعودية عن اختفاء خاشقجي “لا نعرف شيئا عن مكان وجوده بعد أن غادر القنصلية”.

كل من يتابع القضية يأمل في نهاية سعيدة لها، لكن ومع تكشف المزيد من التفاصيل بفضل تسريبات المسؤولين الأتراك لوسائل الإعلام، فإن هناك مخاوف من أن يكون خاشقجي، الكاتب الذي انقلب من صحافي مقرب إلى معارض بارز للحكم في السعودية، لم يعد على قيد الحياة.

تركيا أيضا أمام خيار صعب. هل تعادي السعودية وتبدأ حربا علنية؟ أم تحاول استغلال ما حدث في القنصلية -أيا كان الأمر- للحصول على بعض التنازلات من المملكة الخليجية؟

تركيا ليس بمقدورها إخفاء الأمر أو التستر عليه، والوقت يمر. يختار أردوغان كلماته بدقة شديدة ليمنح السعوديين فرصة لضبط الوضع. ويقلل أردوغان من افتراضات مقتل خاشقجي. لكننا في الوقت نفسه نجد الصحافة الموالية للحكومة التركية تسكب المزيد من الزيت على النيران لتزيد الضغوط على الرياض.

نشرت صحيفة الصباح التركية أسماء 15 سعوديا بزعم أنهم عناصر الفريق الذي حضر إلى إسطنبول، ومن بينهم، وفقا للصحيفة نفسها نقلا عن محققين أتراك، كبير خبراء الطب الشرعي.

سنعرف بمرور الوقت إن كانت هذه الاستراتيجية المزدوجة ستساعد على تجنب الأزمة. فالبديل ربما يكون صداما على جميع الجبهات بين أردوغان وولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان. والسعوديون لو تمسكوا بموقفهم فستأخذ حرب الكلمات منعطفا سيئا، إذ لن يتراجع أردوغان عن موقفه.

قد تتسبب قضية خاشقجي في اشتعال جبهات مفتوحة ظلت النيران فيها تستعر تحت السطح لفترة طويلة. فتركيا والسعودية، وهما قوتان سنيتان كبيرتان في الشرق الأوسط، ليستا بأوثق الأصدقاء. نعم، لا يمكن إنكار أنهما اتخذتا الموقف ذاته من الأزمة السورية في البداية حيث اتحدتا في المطالبة برحيل حكم الرئيس السوري بشار الأسد.

لكن منذ ذلك الوقت بدأت الرياض تنظر بعين الارتياب لسياسات أنقرة في الدعم الذي تقدمه تركيا في عموم المنطقة لجماعة الإخوان المسلمين التي تتسق عقيدتها مع عقيدة حزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة.

تتخذ تركيا والسعودية مواقف متباينة من قطر التي لا تزال الصديق المقرب للأتراك في الشرق الأوسط إلى جانب كونها الممول لجماعة الإخوان المسلمين. وتشعر قطر بامتنان تجاه الأتراك وهذا مفهوم ويمكن رؤيته في إهداء طائرة خاصة لأردوغان والتعهد بضخ خمسة عشر مليار دولار لدعم الليرة التركية المتهاوية.

أخيرا وليس آخرا إن السعودية ربما لا تشعر بالارتياح للتعاون التركي مع إيران، التي تشكل ومعها تركيا وروسيا أضلاع مثلث مباحثات سلام أستانة الخاصة بسوريا. ماذا بعد؟ من الطبيعي أن يتوقع المرء تدخلا من الولايات المتحدة ومحاولة لتسهيل اتفاق بين حليفتيها المهمتين. ولديّ شكوك بأن السلطات التركية تستغل مختلف القنوات لدفع واشنطن إلى التدخل في القضية.

الأزمة هنا هي أن ما يجري يحدث في خضم أسوأ أزمة في العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، حيث لا يتمتع أردوغان ولو بقدر ضئيل من التعاطف من قبل إدارة ترامب أو حتى خصومها على كثرتهم. عند نقطة ما، سيتعين على البيت الأبيض اتخاذ موقف أكثر وضوحا من قضية خاشقجي الذي كان يكتب عمودا في صحيفة واشنطن بوست الأميركية.

الجمهوريون في الكونغرس يتحدثون عن القضية. لكن من الصعب أن نتخيل أن يقدم ترامب على التدخل لصالح الجانب التركي.

إن وصلت الأزمة بتركيا والسعودية إلى حد الصراع العلني وأخذت الولايات المتحدة صف إحداهما، فمن المرجح للغاية أن يتوصل أردوغان إلى وجود رجل واحد يمكنه اللجوء إليه: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ففي ظل علاقات تركيا المتوترة مع التحالف القائم بين السعودية والولايات المتحدة ومصر، ومع فتور علاقاتها مع إيران، ليست لتركيا إلا وجهة واحدة: روسيا.

6