في الداعشية التي تعيش في ذواتنا

الجمعة 2014/08/01

في أن داعش وفكرة التعصب والتطرف هي ظاهرةٌ هامشية في الوعي الجماعي للمسلمين، فهذا قولٌ حق. لكن الداعشية تتغذى من ثقافة وتربية، تترعرعُ في قلب المنطقة، تنهل ُمخزونها من ماض غابر، وتتغذى من تعايش المجتمعات ودوائر السلطة، بجناحيّها السياسي والديني، مع واقع الغلو والانغلاق وفقه العتمة.

في أسلمة راهن البشر في منطقتنا نزوعٌ نحو جرّ العباد إلى منطق غيبي افتراضي يستندُ إلى حجج يجوزُ فيها الشك والتأويل والاجتهاد. ينفي تمرينٌ من هذا القبيل حقيقةٓ اليوم ووضوحه ويلوذُ بيقينية الأمس المزعومة وضبابيتها. وسواء كانت تلك الأسلمة إخوانية تتدثرُ بالدين وسيلة للسلطة، أو سلفية تغرفُ من الدين ما يبرر ماضوية منتهية، أو جهادية ترتبُ الآيات والسنن والأحاديث وفق فلسفة تكره الحياة وتقدس العدم، فإن الثابت أن أمر ذلك يقيم القطيعة بين البشر في العالم، كما القطيعة مع قوانين الحاضر وثوابته.

في صراع الأصوليات في أيامنا هذه تصادمٌ حول فكرة الموت. حزب الله يفتي بجواز جهاده للدفاع عن المراقد، أي للدفاع عن حجارة الموت وما تعنيه في عقيدة المؤمنين، فيما الداعشيون، وأمثالهم في كل مكان، يلاحقون المراقد تنكيلا وتدميرا، بما تمثله من تدليل على الموت ووثنية رموزه. في تضاد التطرف والعصبيات إذن معركة حوّل محورية العدم كدليل على انعدام القدرة على تحديث مقاربات التعامل مع الوجود.

لا تفصحُ الأصوليات عن خارطة طريق صحيّة صحيحة تفسّر أصول العيش وناموس الفرح والسعادة فيه. تخال العالم منقسم بين أصناف عديدة من الموت: موت الكفار وموت المؤمنين. يتحددُ العالم وفق تلك الرؤي بين جثث مقبورة وأخرى قيد ذلك. فلا مكان لفكرة نور أو خطة رقيّ أو وصفة لعمران. فعند الأصولية تمجيدٌ للموت على شكل مواكب جنائزية تنقل الأحياء إلى مصاف الشهداء، أو على شكل عمليات قتل جماعي أو ذبح حيواني وفق طقوس مقدسة تترجل من أصول الدين أو هكذا تزعم الفتاوى.

تنكرُ الأصوليات وجاهة بعضها البعض. فالشيعة هم “رافضة” والسنة هم “نواصب”. ويتأسسُ حفل التشاتم على نصوص ومعاجم لطالما برع فيها فقهاءٌ وعلماء ومراجع. يتحوّل ما هو سباب مذهبي إلى تربية تصلّبها السنون، فتروج الكراهية والحقد أصولاً في الزهد والإيمان، ويغيب التسامح والرحمة والقبول بالآخر. لا آخر عند الأصوليات فهو نقيض الأنا، والأنا إيمان صحيح مزعوم، ونقيضه كفر وزندقة.

لا تنتهي حربُ الأصوليات لأن الماضي لا قعر له. تقوم حروب الأصوليات على استعادة الفتن من جحورها، فتتم صيانتها والحرص على ديمومتها متناً لتذابح لا ينتهي. لا ضرورة لإصلاح روايات التاريخ حول “صفين” و”الجمل” و”كربلاء” وحكايات أخرى تتوالد ولا تنتهي. فمطلوب أن تترجل تلك الحكايات مخصّبة بما تفتقت عبقرية الأصولية عبر التاريخ من تشويه خبيث يثقلها بكل ما من شأنه الوشاية بأبطالها وما من شأنه تخليد الفتنة دون كلل.

لا ينحصرُ التطرف في حدود الجماعات، وهو ليس صنيعة بيتية تُطبخ داخل جدرانها. فأن نقطع شروط العصر عن الناس فذلك إغراق لهم في غياهب سوداء. وأن يستمر الحديثُ حول الاختلاط ينعمُ بشرعية وحيوية في قرننا الحالي، فذلك من أعراض التحجر والتخلف في ذواتنا. وأن يغضّ المجتمعُ الطرف عن جرائم الشرف فيما تتفهمها القوانين وتتسامح معها، فذلك جريمة بحق المدنية وصِلٓتها بالحضارة البشرية منذ فلسفة اليونان.

في ذواتنا صراع عضوي حول موقع الدين في يومياتنا. ففي مقاربة الأمر ميّلٌ نحو التقليد واستيراد تجارب ما وراء الحدود. في ذلك تلبيس اصطناعي لبضاعة جاهزة على قوام غير جاهز.على أن تمحوّر النقاش بين دينيين وعلمانيين حوّل الدين، والدين فقط، يُظهر مدى هاجسه في الهيمنة على النقاش العام. على ذلك يتراجع الدين في فترات تاركاً للعلمانية والاشتراكية والقومية والمدنية أن تحتل الحيّز الكبير، وحين تندثر تلك الحقب يعود الدين والمتدينون لاستعادة النقاش الجدلي الكبير. لكن الدين في صولاته وجولاته، في كره وفره، يصبح أدياناُ ومشارب وأحزاب وجماعات، ويصير موقعه ودوره ملتحق بالتفسير الظرفي والاجتهاد الكيفي واستعادة علم الكلام وفق رؤى متطرفة بعيدة عن جوهر الإسلام الحقيقي.

لم نخرج من كتب الحكايات القديمة بعد. ما زالت يومياتنا ملتصقة بيوميات الأولين، نأكل من زادهم ونتنفس من هوائهم. ما زالت مواجهتنا لتفاصيل العصر مرتبطة بسلوكيات وسنن عصر آخر. يبقى تفسيرنا للحزن والفرح والعيش وعلم التواصل مرتبطٌا بما تخرج به كتب الفقه والسيرة وأخبار السالفين. أوليس في ذلك إنعزال عن إنسانيتنا بصفتنا جزء من كل؟ ألسنا “أهل كهف” في عالم يتخلص كل دقيقة من الكهوف؟ هي الداعشية في فعلنا ورد فعلنا، في صحونا ونومنا.

في طرد داعش للمسيحيين من الموصل حدثٌ لا يمتّ لتاريخ الإسلام وعهدته العمرية بصلة. لكن ما يقترفه الداعشيون يتّصل بصفة الكفر والشرك التي لطالما ألصقها من هم غير محسوبين على الأصولية والإرهاب بالمسيحيين. في ذلك أن ما تمارسه داعش قد لا يلقى استغراباً من البعض وربما قد يجدُ له سنداً في تاريخنا. يكفي ملاحظة وضاعة ردّ الفعل الرسمي (من المراجع السياسية والدينية) على جريمة من هذا النوع، ومعاملتها بصفتها حدثا مصلاوياً محلياً لا مقاربةً تروم تغيير الوجه التاريخي الحضاري الثقافي للمنطقة برمتها.

أن لا ينتهي مجتمعنا من ظلال التاريخ الثقيل فذلك سرّ الجمود الذي يشلّ منطقتنا. وأن يستمر الديني في السيطرة على المدني فذلك إقرار باستسلامنا لشروط الأمس ومقتنا لشروط العصر. وأن تبقى الفتنة حيّة بين المذاهب، وأن يخرج كل يوم من يصنّف الناس كفارا ومؤمنين فذلك أننا لم نُجمع بعد على مقاييس الخطأ والصواب.

وبانتظار أن تفرضَ سلطة الحداثة ومنطقها شروط اليوم في الثقافة والقانون والاقتصاد والسياسة، وبانتظار أن يتوقف رجال الدين عن التدخل في السياسة وأصول الحكم (على ما سنّ مؤخراً محمد السادس في المغرب)، وبانتظار أن تفرض دساتير الانفتاح والتعدد والتسامح قوانينها على علل الانغلاق، وبانتظار أن ينعم شباننا كما شاباتنا بالعلم والعمل والتعايش والمشاركة، وبانتظار أن تزول الحواجز بين رجل وإمرأة فلا ترفعُ ذكوريةٌ جدراناً وأسوارا بينهما، فإن يومياتنا ستتتالى على وقع ما يقره الملا عمر أميرا للمؤمنين ويمليه أبو بكر البغدادي خليفة عليهم.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

8