في الذكرى الـ40 للمسيرة الخضراء.. التنمية السند الأقوى للمغرب

يمضي المغرب قدما نحو حلّ قضية الصحراء، بدعم وتأييد دوليين لمقترحاته لحسم هذا المشكل المفتعل، ضمن حلّ سلمي، ووفق مقاربة منهجية تضمن حقّ المغرب في سيادته على أراضيه، التي سبق وأن استعادها من المحتل الأسباني ضمن المسيرة الخضراء التي شكّلت الحدث، قبل أربعين سنة، ولا تزال إلى اليوم محلّ إشادة من الخبراء الذين يؤكّدون أن حل القضية سيضمن مزيدا من الاستقرار لدول المنطقة بما أنه سيقطع الطريق أمام جبهة البوليساريو، المتهمة دوليا بالتعاون مع جهات مصنفة على قائمة الإرهاب، وأيضا أمام مساعي الجزائر لإبقاء الأزمة قائمة وعرقلة الاقتراح المغربي حول الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب كمبادرة لحل نزاع الصحراء.
الجمعة 2015/11/06
ذكرى المسيرة الخضراء مناسبة لنقد الذات ومراجعة نقائص الدبلوماسية المغربية لحل قضية الصحراء المغربية

الرباط – وعد الملك محمد السادس في خطاب الذكرى الـ39 للمسيرة الخضراء، بأن تتم معالجة “نمط التدبير بالصحراء والذي عرف بعض الاختلالات جعلتها، مع توالي السنوات، مجالا لاقتصاد الريع وللامتيازات المجانية. وهو ما أدى إلى حالة من الاستياء لدى البعض، وتزايد الشعور بالغبن والإقصاء لدى فئات من المواطنين”.

ودعا إلى “إنصاف أبناء الصحراء والأغلبية الصامتة التي تؤمن بوحدة الوطن، وإلى إعادة النظر جذريا في نمط الحكامة بالأقاليم الجنوبية”، من خلال تفعيل الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي وألحّ على “تمكين أبناء المنطقة من المشاركة في تدبير شؤونهم المحلية في ظل الشفافية والمسؤولية وتكافؤ الفرص”.

ولم تمرّ سنة، وإلا وقد بدأ العمل على تحقيق هذه الوعود، التي يشهد الخبراء بأنها تحوّلت من أقوال إلى مشاريع تنموية وانتخابات جهوية، ضمن عملية انطلقت منذ أربعين سنة مع الملك الراحل الحسن الثاني ولا زالت متواصلة مع خلفه الملك محمد السادس.

ومن المنتظر أن تتواصل مسيرة تنفيذ الوعود، اليوم مع أحياء الذكرى الـ40 للمسيرة الخضراء، حيث توقّع عبدالمجيد بلغزال، الباحث المتخصص في شؤون الصحراء ومدير الدراسات بمركز الصحراء الكبرى أنه “سيتم الإعلان عن استتثمارات بنحو 140 مليار درهم (ما يعادل 14 مليار دولار أميركي)”. واعتبر بلغزال أن هذه الزيارة تهدف إلى تحقيق نموذج التنمية على الأرض، والذي سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي أن دعا إليه في وقت سابق.

وأشار إلى أن هذه الاستثمارات “ستساهم في تنمية المنطقة وتضع حدا للريع والفساد”، وتهيئ المنطقة حتى تكون مؤهلة للحكم الذاتي، بما يقطع مع محاولات جبهة البوليساريو الانفصالية والجهات الخارجية الداعمة لها؛ وبشكل يؤكّد خبراء أن نجاحه سيعني مزيدا من الاستقرار لا للمغرب فقط بل لمنطقة المغرب العربي ككل، وقد يكون نموذجا تستنسخه جهات في مناطق أخرى من العالم.

بيتر فام: المسيرة الخضراء نموذج فريد في سجلات تاريخ الأمم

واليوم، وفيما يحيي المغاربة الذكرى الـ40 للمسيرة الخضراء، يبدو أن فرص المغرب نحو كسب قضيّته أمام العالم وافرة، وأن المسيرة التي انطلقت يوم 6 نوفمبر 1975، ستتصل إلى غايتها باعتراف العالم أن الأقاليم الجنوبية جزء لا يتجزّأ من التراب المغربي، رغم المصالح الخارجية الضيقة التي تحول دون الإسهام في الحل وتعرقل المقترح المغربي حول الحكم الذاتي.

وكتب بيتر فام، مدير أفريكا سانتر، التابع لمجموعة التفكير الأميركية (أطلانتيك كاونسيل)، في مقال نشرته صحيفة ذو هيل الأميركية، أن المسيرة الخضراء تشكل، على جميع المستويات، “نموذجا فريدا في سجلات تاريخ الأمم”، وتعبيرا عن إرادة “غير عادية” لشعب بأكمله متحد وراء ملكه.

ويجد الخبراء في هذا النجاخ المستمر لقضية الصحراء المغربية سببا مقنعا لتبرير الهجوم الذي تشنّه جبهة البوليساريو وداعمتها الجزائر على المغرب. ففي خضم متابعة العالم لهذه الذكرى، عمدت الجزائر إلى مهاجمة المغرب وتصعيد الاستفزاز من خلال التدخل في جميع نقاط جدول أعمال اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة لاتهام المغرب بانتهاك حقوق الإنسان والتشكيك في مغربية الصحراء. ومرة أخرى وللمرة الثانية في اليوم نفسه، تشير وكالة المغرب العربي للأنباء، إلى أن الجزائر هاجمت المغرب، من خلال تكرار مزاعمها المعتادة حول انتهاكات حقوق الإنسان في المغرب، مركزة على الصحراء المغربية، وداعية إلى تقرير المصير بهذه المنطقة.

التخطيط الاقتصادي واللوجيستي

لم يكن قرار تسيير 350 ألف مغربي إلى الأقاليم الصحراوية للمغرب قرارا اعتباطيا، بل تم التخطيط له بعناية تامة في جميع ما يتطلبه هذا الكم الهائل من البشر في صحراء قاحلة. وحسب خبراء في الاقتصاد فقد كلّفت المسيرة زهاء 300 مليون دولار، جاء معظمها من المواطن المغربي عبر اكتتاب وطني، إضافة إلى مساعدة خارجية جاءت بالأساس من المملكة العربية السعودية.

وبدأ التخطيط الفعلي للمسيرة الخضراء يوم 21 أغسطس 1975، حينما أسرّ الملك الراحل الحسن الثاني بعزمه على تنظيم مسيرة إلى الصحراء لثلاثة عسكريين، الكولونيل أشهبار والكولونيل بناني والكولونيل الزياتي، والذين كلّفهم بالاعتكاف والإعداد لمخطّط شامل للمسيرة بتفاصيلها الدقيقة.

المسيرة الخضراء إنجاز كبير على المستوى التنظيمي واللوجستي

ولأجل الانضباط للسرية في عملية الإعداد للمسيرة الخضراء فقد استدعى الحسن الثاني كلا من وزير التجارة ووزير المالية للحديث عن التموين دون إثارة شكوكهما، حيث قال لهما “إن شهر رمضان قد يكون قاسياً، إذ المحاصيل الزراعية كانت متوسطة، فهل يمكنكما من باب الاحتياط تخزين كمية من المواد الغذائية حتى إذا كنا في حاجة إلى عرضها في السوق أمكننا المحافظة على استقرار الأسعار، وليكن تموينا يكفي لشهر أو شهرين”. وفعلا لم يفطن الوزيران للأمر.

وفي هذا السياق قال محمد كرين، القيادي بحزب التقدم والاشتراكية والخبير الاقتصادي، لـ“العرب”، إن المسيرة الخضراء إلى جانب كونها حدثا سياسيا بارزا، فإنها كانت إنجازا كبيرا على مستوى التنظيمي واللوجستي وتوفير جميع الإمكانيات المادية لإنجاح هذه الملحمة التاريخية التي جمعت 350 ألف مواطن ومواطنة من مختلف أقاليم المغرب.

كواليس الإعلان عن المسيرة الخضراء

بعد صدور رأي محكمة العدل الدولية في 16 أكتوبر 1975، الذي يعترف بأن “الأراضي الصحراوية التي تحتلها أسبانيا لم تكن عند استعمارها أرضا خلاء لا صاحب لها، وأنه كانت بين الصحراء والمملكة المغربية روابط قانونية وروابط ولاء”، أعطى الراحل الملك الحسن الثاني الإشارة لانطلاق المسيرة الخضراء في السادس من نوفمبر سنة 1975، وكان الغرض منها الضغط على أسبانيا للتوصل إلى اتفاق لاسترجاع المغرب صحراءه، وهو ما تمّ فعلا في 14 نوفمبر حين تم توقيع الاتفاق بين المغرب وموريتانيا وأسبانيا.

وقال صبري الحو، الخبير المغربي في القانون الدولي، في تصريح لـ”العرب”، إن أسبانيا والجزائر كانتا تناوران وتتفقان سرا من أجل بقاء إقليم الصحراء تابعا لأسبانيا، أو خلق دولة صورية قريبة من الجزائر وتشرف عليها، لأجل حرمان المغرب من الانفتاح على أفريقيا وعزله، موضحا أن ما شجّعهما في ذلك الوقت هو الوضع الداخلي المحتقن في المغرب.

وأشار الخبير المغربي إلى أن الملك الراحل الحسن الثاني وجد نفسه أمام ثلاثة تحديات: كيف يتجاوز الوضع السياسي الداخلي المتشنج؟ وكيف يوحد جميع المغاربة بما فيهم المعارضة؟ وكيف يضمن استرجاع الصحراء؟ فاستقر إبداع وعبقرية الحسن الثاني على إشهار ورقة الوطنية.

وأكد صبري الحو أن الملك الراحل استطاع ضمان إجماع كل الأحزاب وكل المنظمات المغربية على اختلافها وتباين أسسها الأيديولوجية، منها حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والحزب الشيوعي، على موقف الدولة الرسمي والمبدأ الثابت بالوحدة الترابية للمغرب. وهكذا لجأ المغرب إلى محكمة العدل الدولية، لاستصدار فتوى تحسم الخلاف بين المغرب وأسبانيا حول إقليم الصحراء.

وحسب الكثير من المتابعين للشأن المغربي، فالمسيرة الخضراء كانت بمثابة الداعم الذي عزز التلاحم الوطني ووحدة الكلمة، وقد كانت أحزاب معارضة تقترح وتنادي بوسائل لا تمت بالسلمية لتحرير الصحراء من يد الاحتلال الأسباني، وكانت تصريحات زعماء تلك الأحزاب تصب في هذا الطرح قبل أن يعلن الملك الحسن الثاني المسيرة الخضراء كوسيلة للتحرير.

إقرأ أيضا:

خبراء لـ\'العرب\': المسيرة الخضراء التزام بين الملك والشعب يتصدى لكل ما يعيق التقدم

باحث مغربي: الإعلام مقصر تجاه قضية الصحراء

6