في الركن الهادئ البعيد

الاثنين 2015/03/09

هناك، يعيش الشاعر في مخبأ. عاصرته عدة مرات وهو يتألم ويكتب ويدخل حالة النشوة ثم ينعزل عن الدنيا ليحول إلهامه إلى قصيدة.

كان في أحد الأيام غائبا عن الوعي، يحكي معنا وذهنه مفقود تماماً.

وكنت أستمتع بهذا الشرود والهلوسة لأني أعرف أن أبياتا بديعة ستليها. وأنا في توق لأي إبداع لأني أعيش منطقة تعيد اختراع العجلة آلاف المرات كل يوم.

في الديكور وفي الأغاني، في البرامج، السينما، الأزياء.. كله تكرار عربي لإنجازات قديمة.

لذا فمن ناحيتي أغفر كثيرا للمبدع. أتجاوز عن أخطائه طالما أنها كانت ضمن محصلة حياة تنتج فنا ولا تقتل. فكيف يحاسبه العالم، كيف يحاكمه ويدخله السجن أحياناً.

المبدع لا خطايا له. لا ذنوب. هذا الفرد النادر خاصة في بيئتنا التي قتل فيها الإبداع منذ سبعمئة عام أو يزيد، منذ حكمنا بنو عثمان. وسلخونا عن الحضارة. هذا الفرد واجبنا أن نبحث له عن مخبأ سري وركن بعيد كالذي يعيشه شاعري.

نحن ماهرون في إزاحة الإبداع عن الوجود وعن بكرة أبيه. ماهرون في تحويل الفن لبضاعة يتاجر بها أصحاب رؤوس الأموال فيختفي الفن ويبقى الربح الصافي.

في السيارة أستمع إلى لحن مزعج مصدره الراديو كفقرة وصل بين البرامج، نفس اللحن أسمعه في الحفلات يتراقص عليه الناس ويدندنه ملايين الأفراد الذين نسوا أو أنستهم الظروف والأيام أن للأغنية عمودا مهما اسمه “اللحن”. ليس مهما ربما إن كنت ضمن من رقص عليه أيضا.. اللحن يخفي الكلمات. الشعر غير ظاهر. لكن حروفا بين الموسيقى السخيفة التي لا تصلح إلا أن أرقص عليها لأحرك جسدي، تذكرني بشيء لا أتمكن من تمييزه.

كأنها نفس أبيات صديقي الذي يعيش حالات من النشوة والوله والألم والسوريالية قبل أن يتمكن من كتابة الشعر.

فماذا يفعل الشاعر عندها؟

هل يخرج من كهفه ويقف على المسرح ويصرخ دفاعاً عن نشوته وإلهامه؟

هل يخرج من الخيال ويجبر على دخول عالم الواقع؟

كيف وافق على تحويل ألمه إلى مقطع سخيف لن يدوم عمره أكثر من شهور.

كيف وافق المجتمع على تشويه القصيدة؟

وافق لأنه سبق وأن وافق على تشويه أشياء كثيرة. لقد شوه الشارع أمام عينيه وصمت. وشوهت النساء ومارس صمتا مريعاً. وأسدلت العباءات والملاءات وصودرت الكتب ومنع الاختلاط وخرجت فتوى تقول: إن كل شيء عدا الرجعية حرام.

تجار الشنطة الدينية والمالية أفسدوا كل شيء وأفتوا في كل شيء، وما تدمير قصيدة صاحبي إلا واحدا من ضمن الفساد.

صار السلم والحرية وغيرهما كلمات يحيطها برواز معلق على جدار في شقة نجتمع فيها وحيدين. شلة متبقية من الأحرار. وحدنا. نترحم. نبكي. نفرح. عزلة تبعدنا عن الواقع. مثل ركنه الهادئ البعيد.

24