في الروايات.. الطعام ليس مجرد أكل

استحضار الطعام في الروايات أيأتي كزخرف فني وترف سردي، أم هو مكمل لبنية الرواية بقصد كشف أبعاد أخرى.
السبت 2019/05/04
مائدة الطعام مكان لحكايات قد تكون مؤلمة (لوحة للفنانة نور بهجت)

الكتابة الأدبية ليست كما يعتقد البعض منفصلة عن الحياة اليومية وتفاصيلها وأماكنها وأحداثها، ولا نقصد هنا الأحداث الكبرى والجماعية، بل تلك الأمور الفردية والأماكن الخاصة جدا والتفاصيل البسيطة، مثل المأكل والمشرب، وهما اللذان يحضران تقريبا في أغلب الروايات، ولو بصور مختلفة.

درج كبار الكتّاب في حواراتهم على أن يتحدّثوا عن طقوسهم الغريبة أثناء الكتابة، وشغل المطبخُ وعادةُ الكتابة فيه جزءا مهمّا من هذه الطقوس، حتى صارت طاولة المطبخ أحد أهم الأماكن التي أخرجت العديد من الأعمال الإبداعيّة. ففي المطبخ ولدت رواية “بيت الأرواح” لإليزبيث الليندي، وبالمثل رواية الياباني هاروكي موراكامي، حتى أنه أطلق على العملين اللذيْن أنتجهما في المطبخ “روايات طاولة المطبخ”. وعلى المقابل حضر المطبخ في كثير من الأعمال الإبداعية وتوقفتْ الرواية عند أشكال مختلفة من الأطعمة، على اعتبار أن الطعام أساس الحياة.

عالم زوجان أحدهما مفارق للآخر
عالم زوجان أحدهما مفارق للآخر

وقد جاء هذا التوقف متباينا بين إشارات عابرة لأنواع مختلفة من الأطعمة، أو كبنية أساسيّة في إظهار كافة التغيّرات التي لحقت بالمجتمع حتى صارت مائدة الطعام بإمكانها أن تحكي لنا سيرة وطن على نحو ما فعل الصيني لو وين فو في رواية «الذوّاقة»، أو ما فعله محمد ديب في «الدار الكبيرة» ليرصد عبر مظاهر الطعام حالات الجوع التي اعترت دار سبيطار، أو أن يكون الطعام تجسيدا لأوجاع الأنثى كما في رواية “النباتية” للكورية هان كانغ، و”برتقال مرّ” لبسمة الخطيب.

السؤال: هل استحضار الطعام داخل الروايات يأتي كزخرف فني، أو ترف سردي، أم هو مكمّل لبنية الرواية، حتى يكشف عن أبعاد أخرى داخل السّياق الروائي من جانب والسّياق الثقافي التي دارت فيه الأحداث من جانب آخر؟

الجوع آفة

سأتوقف هنا أمام بعض الأعمال التي جعلت الطعام على اختلاف أصنافه أشبه بمائدة سردية تخلب العقول قبل البطون. في رواية “الدار الكبيرة” لمحمد ديب بترجمة سامي الدروبي (روايات الهلال، 1970)، وهي الجزء الأول من ثلاثية “الحريق” و“النول”، لا يأتي الطعام كترف حياتي، يسرف الرّاوي في وصف أشكاله، وطرائق إعداده، وإنما يأتي كتسجيل لحالة الفقر المُزري التي يعيش فيها أهل الدار كلهم “دار سبيطار” التي هي أشبه “ببيت كبير عتيق” يقيم فيه تجمع سكني من الفقراء “همهم الأكبر اختصار النفقات”، وإن كانت في الأصل ترمز إلى الجزائر وهي تستعد للثورة ضد المحتل. تبدأ الرواية بسؤال الصّبي عمر الدزيري لرشيد بري هكذا “هات قليلا ممّا تأكل”.

الغريب أن هذا القليل، لم يكن إلا صدقة، كما لم تكن يد عمر وحدها، هي الممدودة وإنما “شبكة من الأيدي قد امتدت تلحُّ كل منها في طلب نصيبها من الصدقة”، هكذا تأخذنا سيرة الطعام بآليات الاحتيال للحصول على الخبز، إلى عالم الرواية حيث مأساة الفقر المُدقع، الذي يضطر الأم إلى أن تكثر من الفلفل في الحساء، فيلدغ ألسنة أطفالها الثلاثة، فيميلون إلى إناء الماء الموضوع بجانب المائدة، “فيشربون ثم يشربون فتنتفخ بطونهم، فينهضون عن المائدة وقد أكملوا بالماء شبعهم”. فالطعام يأتي هنا كنوع من الحماية تارة، أو كنظير للخدمة تارة ثانية، وفي الحالتيْن هو تعبير عن حالة العوز والحاجة.

مقدمة مُختصرة عن الطعام والشراب
مقدمة مُختصرة عن الطعام والشراب

في رواية “النباتية”، الصادرة عن دار التنوير 2017، بترجمة محمود عبدالغفار، للكورية هان كانغ، يحدث التحوّل في حياة الزوجين، بعد أن صارت الزوجة يونغ هيه نباتية، يبدأ السرد بصوت الزوج باستهلال رثائي لهذا المآل “لم أكن أرى شيئا مميزا في زوجتي قبل أن تصبح نباتية، وأقول بصراحة، إنني لم أشعر بانجذاب نحوها حين رأيتها أول مرة”، حياة رتيبة بين الزوجين، فلا حوار بينهما، كل منهما منصرف إلى عالمه المفارق للآخر، هي في القراءة، وهو في عالمه الخاص المنحصر في العمل صباحا، والسهر خارج البيت مع الأصدقاء ليلا.

يبدأ التحوُّل في مسار العلاقة بين الزوجين، بعد أن استيقظت الزوجة ذات ليلة وقد رأت حُلْما، وما ترتب عن هذا الحلم من جمعها لكل اللحوم على اختلافها في أكياس قمامة سوداء كبيرة. وبسبب هذا الحُلم يبدأ خلاف بين الزوجيْن. وأثناء الشّجار يمرّر الراوي الكثير من الوجبات التي صارت مُحرَّمة عليه بعد قرارات الزوجة، التي جاءت تالية لحلمها المرعب. فيُسهب في وصف أطباقها المُميّزة التي كانت تطبخها.

حالة العزوف عن الطعام من قبل الزوجة (يونغ هيه) صارت لها تبعيات مُقْلِقَة على صحتها كما لاحظ الزوج، فالضعف قد اعترى بدنها، والنوم فارق جفنها، وفارقت عاداتها، ثمّ ثالثة المشاكل تجلت في عزوفها عن الجنس، مُبرّرة سبب العزوف بأن رائحة اللّحم تفوح من جسده أثناء ممارسة الجنس. هنا يأخذ الطعام وظيفة جديدة؛ حيث يُحدِّد بنوعه طبيعة العلاقة بين الزوجين، ويذهب بها إلى منطقة البرودة العاطفية، ومن ثمّ التلاشي.

الطعام سيرة

يخصص الكاتب الصيني لو وين فو في روايته “الذاوّقة”، الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بترجمة يارا المصري، فصلا تأسيسيّا عن الطعام بعنوان “مقدمة مُختصرة عن الطعام والشراب”، يُقدِّم فيه الرّاوي العليم سيرة بطليْه. أحدهما هو تشيو زي تشي، وهو أحد الرأسماليين، إلا أنه نجا من أن يكون مِن أعداء الثورة، بل لم يتعرّض لمصادراتها بعد حملة حركة المكافحات الثلاث، وحملة المفاسد الخمس، فهو لا يتعاطى الأفيون ولا يلعب القمار ولا تثيره المومسات، ومن ثم نجا من حملات التطهير. فلا شيء يثيره سوى الطعام. وأوّل اعتراض له على الثورة كان عندما تعارضت مع شغفه؛ فما إن حدث التغيير في المطعم وفقد الطعام لذته حتى ثار مُسجِّلا اعتراضه.

رواية ترصد عن قُرب طبيعة الأنثى وهواجسها
رواية ترصد عن قُرب طبيعة الأنثى وهواجسها

الرواية لوحة سردية دقيقة عن الطعام وفنونه في سوجو، وخاصة طبق الشعرية الذي يصف المؤلف أجواء طهيه، وطقوس إعداده وأكله، فتشيو زي تشي لا يهمه سوى أن يتناول أوّل قِدر شعرية، إلى درجة أنه إذا تناول صحن شعرية له رائحة خفيفة من المرق، سيفقد حيويته طول اليوم، وسيشعر بأن أمرا ما لا يجري حسبما يشتهيه. ولا يتوقف المؤلّف في سرده عند وصف قِدر الشّعرية، وإنما أيضا يقدّمُ وصفا دقيقا للشاي، فتشيو زي لا يشرب الشاي في أي مقهى، وإنما تحديدا في شارع “تشانغ مين شي”، حيث له غرفة منفصلة. كما أن طقوس إعداد الشاي مختلفة، فالمقهى يجلب الماء من الأمطار والآبار، ويجلب أوراق الشاي مباشرة من تلال دونغ تينغ الشرقية.

كما أن الرواية بمثابة تمثيل سردي للأحداث التي جرت في الصين على مدار أربعين عاما. فيعكس لو وين فو كذلك آثار الثورة على مَن قامت ضدهم، فشخصية تشيو زي تشي التي كانت رافضة ومقاومة للتغيير وأغلقت الباب في وجه الإصلاح، استجابت لهذا التغيير الذي حلّ على عكس العمّال الذين قامتْ من أجلهم الثورة.

يحضر الطعام وفنونه في رواية الروائية اللبنانيّة بسمة الخطيب “برتقال مرّ”، الصادرة عن دار الآداب ببيروت، فالرواية ترصد عن قُرب طبيعة الأنثى وهواجسها، وتقدّم صورة المرأة الخبيرة بفنون الطهي والطعام الذي يُعدّ بشوق للمحب المنتظر منذ زمن، رابطة بين الحبّ والطبخ فـ“الطبخ والحبّ ليسا شيئيْن مختلفيْن، لأنّ نتيجتهما واحدة وباعثهما واحد. حين تطبخ تقوم بفعل حب، وحين تحب تفكّر في أن تطبخ لحبيبك”. وهو ما يتكرر بصورة عكسية في رواية “كحل وحبّهان” لعمر طاهر، أثناء إعداد عبدالله بطل الرواية الطعام لصافي في أول زيارة له في بيته.

 الطعام حاضر بصورة لافتة
 الطعام حاضر بصورة لافتة

عبر هذا الربط المبرّر لتواجدها في المطبخ تُقدِّم الخطيب أنواعا شهية تعكس بها ثقافة وسمات المطبخ اللبناني، بروائحه ولذته ومكوناته، في توظيف فني لم يأت كدخيل على أحداث الرواية، في شبه استعادة لرواية الألماني باتريك زوسكيند «العطر» التي احتوت على أسرار صناعة العطور، ونسب التركيبات المستخدمة، وهو ما قدمته هنا السّاردة عن أسرار الطهي.

أما في رواية “كحل وحبّهان” لعمر طاهر (دار الكرمة 2019) فيحضر الطعام بصورة لافتة، فالرواية بطلاها الأب وابنه، ذوّاقان والأم محترفة صناعة الطعام، تحضر وصفات طعام كاملة، كالمسقعة، والمحشي، والملوخية، والباميا البيضاء التي تنصهر مع الثوم والسمن البلدي في آنية فخارية تمتلئ بقطع من لحم الرقبة، والأرز، والفراخ المشوية، والجمبري والأسماك وغيرها من أصناف عديدة تميز المطبخ المصري عن غيره، وما تستوجبه من إخلاص في طبخها.

 في المرويات السّابقة لم يحضر الطعام كحليّة أو زخرف فني لإبراز معالم ثقافة الشعوب في الطعام فقط، وإنما عكس سياقا اجتماعيّا وسياسيّا كما في “الذوّاقة” و“برتقال مرّ”، و“كحل وحبّهان”، واقتصاديّا كما في “الدار الكبيرة”. كما كشف عن حصار مجتمعي وإكراهات للفرد على نحو ما ظهر في رواية “النباتية”.

15