في الرواية التاريخية الخيال لا يتصادم مع الحقيقة

الكثير من الكتاب العرب يلتجئون اليوم، شأنهم شأن العديد من الكتاب العالميين، إلى كتابة الروايات التاريخية، وقد نفسر الطفرة التي طالت الروايات التاريخية بما تمر به الإنسانية، وخاصة الشعوب العربية، من أزمة هوية ومن عنف وتفكك يتصاعدان يوما فآخر، وكأن الأدباء العرب يريدون رتق الفوارق والتأسيس لأرضية مشتركة من خلال تناولهم للتاريخ، وهذا ما يفعله الروائي المغربي عبدالإله بن عرفة.
الثلاثاء 2017/02/28
الماضي مادة روائية خصبة

الرباط- الأدب يجب أن يحفز في القارئ روحية السؤال الوجودي عن الذات الإنسانية، هكذا يؤكد الروائي المغربي والخبير في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) عبدالإله بن عرفة في حديث سابق، لم يحد عنه في رواياته اللاحقة وآخرها روايته “الجنيد.. ألم المعرفة”، التي يريد من خلالها، كما شأن أعماله السابقة، الغوص أكثر في الحاضر وقضاياه من خلال الماضي وأحواله وأعلامه.

التخيل والمعرفة

يعتبر الروائي عبدالإله بن عرفة، أنه على الرغم من أن رواياته يتقصّد بها الكتابة عن تاريخ معين من قرون الإسلام، غير أنها تقرأ التاريخ بلغة “العصر والحاضر”. ويؤكد الروائي أنه يرغب في “تأسيس مشروع روائي حضاري انطلاقا من تراثنا وذاكرتنا وحاضرنا”.

عبدالإله بن عرفة: أي أديب يحترم نفسه ويستحق هذا النعت، لا بد أن يكون متمكنا من اللغة

وفي مستهل حديثه عن تجربته الأدبية التي يؤسس لها ضمن مشروع “الرواية العرفانية”، يقول بن عرفة إن “مشروعي الأدبي هو الرواية التي تمنح الإنسان مساحة كبيرة لكي يعبر عن عدة قضايا، وتُمكنه من أن يسترسل في الجانب التخيلي والمعرفي في بناء عوالم ممكنة للأدب”.

وهذا المشروع، كما يبيّن ضيفنا، يضم 14 رواية تم إنجاز تسع منها حتى الآن، ويتناول فيها تاريخ الإسلام خلال 14 قرنا، ويشمل العالم الإسلامي بأسره، وكافة الأحداث الكبرى والخلافات التي شهدها.

ويتابع أن هذا المشروع يتضمن “تغطية روائية لهذا التاريخ الإسلامي، بكتابة عربية سلسة، وبقراءة لهذا التاريخ بأسئلتنا نحن؛ أسئلة العصر والحاضر”. ويشير بن عرفة إلى أن “كل عنوان في هذا المشروع مأخوذ من فواتح السور النورانية على اختلافها، سواء كانت مفردة مثل قاف، نون، صاد أو ثنائية مثل حم وطه، إلى الخماسية مثل كهيعص”، لافتا إلى أنه يخصص كل رواية لفاتحة من هذه الفواتح ولقرن من الزمن ولقامة فكرية.

موضحا أسلوبه الأدبي يقول بن عرفة “أتيت من خلفية أكاديمية، فقد اشتغلت على اللغة والدلالة وأصدرت كتبا في المجال، فلا يمكنك أن تقول كل شيء في الكتاب العلمي، بينما الأديب يستطيع أن يقول أشياء كثيرة، يعبر عن مواقف ويطرح قضايا حضارية وثقافية وحتى سياسية. المهم هو أن نؤسس لمشروع روائي حضاري انطلاقا من تراثنا وذاكرتنا وحاضرنا”.

الرواية التاريخية

حول مدى تأثير التاريخ على الحد من جموحه وحريته ككاتب في رواياته، يرى بن عرفة أن الرواية التاريخية لها مقتضياتها وتعاملها مع الأحداث بطريقة خاصة، لكن تعامله في الرواية العرفانية فهو مختلف عن ذلك، فالتاريخ يشتغل بالفعل في هذا المشروع ولكن بطريقة أخرى.

ويستطرد قائلا “نحن نستدعي التاريخ، لكن في الكثير من الأحيان نملأ بياضاته، خاصة عندما يكون غير مكتمل، فمن الشخصيات التي أتناولها مثلا شخصية الجنيد (أبوالقاسم الجنيد البغدادي وهو من أعلام التصوف)، والذي لا نملك عن خفايا حياته الكثير.

لكن هناك عملا بحثيا يملأ البياضات دون أن ينسى إتاحة مساحة أخرى للتخيل الذي لا يصادم الحقيقة التاريخية في عمقها”. وما سبق أن وضحه بن عرفة أسماه “حقيقة الإمكان والاحتمال، أي أن هناك أشياء محتملة غير ممكنة وهناك أشياء ممكنة غير محتملة، وهناك أشياء محتملة وممكنة”.

الرواية العرفانية تغوص في أعماق الماضي

ومدللا على ذلك، يقول “اشتغلت مثلا على نهاية الخلافة العثمانية مع السلطان عبدالحميد في رواية ‘ياسين قلب الخلافة‘، لكن طرحت إضافة إلى التاريخ قضايا في غاية العمق منها فكرة جامعة الدول العربية التي لم تنجح، فعمل مثل هذا يحاول أن يستنفر التاريخ لقراءة هذا التراث أولا، وللإجابة عن أسئلة العصر في راهنها ثانيا”.

ينفي بن عرفة ما يقال إن أغلب رواياته تتحدث عن شؤون غير مغربية، قائلا إن “المغرب حاضر بقوة في ما يكتبه، والروايات جميعها باستثناء رواية واحدة، هي رواية ‘الجنيد‘ التي لا تقع في المغرب، جل الروايات الأخرى له ابتداء من ‘جبل قاف‘ يحضر فيها الفضاء المغربي بقوة”.

حول غياب الأدباء المغاربة عن الكتابة حول مدن المغرب على غرار الأجانب الذين اهتموا كثيرا بعواصمهم، يبرر بن عرفة ذلك بالقول إن “مدينة مثل باريس كتبت عنها الآلاف من الروايات، وهذا ناتج عن تراكم ثقافي وحضاري، كما أن هناك رأسمالا ثقافيا مهما، أما نحن ففي طور التأسيس، لأن الرواية بالنسبة إلينا فن حديث ولم يحصل فيه التراكم الثقافي الكبير بعد”.

غير أنه يعود ليؤكد أن “المدن والحواضر الكبرى سيكون لها نصيب، وحتى الآن هناك أدباء كثيرون كتبوا عن فاس ومراكش وتطوان وسلا”. ويرى الروائي ابن مدينة سلا في شمال المغرب أن هناك اليوم طفرة في الإبداع، خاصة في الكتابات السردية، التي تَحَوّل معها المجال إلى ما يشبه مجرة سردية شاسعة، معتبرا أن النقد أصبح بطريقة “مخجلة” عاجزا عن متابعة الإبداعات الكثيفة.

وردا على سؤال بشأن مستوى لغة الرواية المعاصرة، يقول بن عرفة إن “أي أديب يحترم نفسه ويستحق هذا النعت، لا بد أن يكون متمكنا من اللغة، ونحن نلاحظ هذا في لغات العالم أو الآداب الكلاسيكية الكبرى، فهناك دقة وحرص، وحتى دور النشر تتابع الأعمال بدقة حتى تخرج في لغة سليمة وراقية”. ويردف قائلا “لكن نحن تشوبنا الفوضى في هذا المجال، فالكثير من الأعمال تصدر ولا تحقق هذا الشرط، وأظن أنه في أي مهنة يجب أن تكون الأدوات الخام مضبوطة”.

15