في الرواية الصوفية

لا شيء يمنع الإنسان والمثقف والكاتب من أن يكون صاحب رؤى مختلفة ومتعددة وانتماءات ثقافية وفكرية ثرية لينعتق من النظرة الأحادية للعالم ويهرب من الهوامش الطائفية والتناقضات التي تحيط به، بحثا عن ذاته.
الأحد 2018/12/16
تفصيل من لوحة إدوارد شهدا

التصوف، اللحظة الفارقة فلسفيا وفكريا وروحيا، والتي طرأت على عالمنا الإسلامي هربا من العنف والتطرف والتشدد الفكري والحروب الدينية منذ القرن الهجري الأول، فكان المحاولة الأسمى للخروج من حالة التقوقع والانغلاق والتشنج بحثا عن رؤية إنسانية حرة للعالم؛ تقبل الجميع باختلاف الأديان والمذاهب والأعراق، وطريقة يعبرها السالك للوصول إلى حالة متقدمة من الروحانية، ولتكون العلاقة بين الخالق والمخلوق أجمل وأرقى في أطر المحبة والعشق، لا الخوف والتعذيب.

رافق الشعر كبار المتصوفة منذ البداية، إضافة إلى النصوص الصوفية العظيمة والرسائل التي تركوها لنا في تراث أدبي هام تم تجاهله أو فقدانه أو اختزاله نتيجة الصراعات الدينية والسياسية التاريخية.

وفي عصرنا الحالي وفي ظل تزايد العنف والإرهاب وبروز الحركات الإسلامية الإرهابية والتشدد الفكري والإسلاموفوبيا، حان الوقت لمراجعة موروثنا الثقافي الذي يحتوي أيضا على ما يبهج، ويحتوي على لحظات إنسانية عظيمة غايتها الوحدة الإنسانية ورحابة الأفق القادرة على جمع الناس وقبولهم برغم اختلاف مشاربهم، فكلنا نبحث عما يطمئننا ويسمو بنا.

مع تراجع الشعر قليلا، وتقدم الرواية قليلا أيضا، والترويج لها على أنها ديوان العرب الجديد، نجد محاولات الخوض في تجارب روائية جديدة تغوص في موروثنا الثقافي لم تتوقف. كان التصوف حاضرا في الرواية منذ البداية، كما في رواية «طريق» للأديب نجيب محفوظ، و«التجليات» للأديب جمال الغيطاني، وغيرها.

 لكن صدور رواية «قواعد العشق الأربعون» للروائية التركية أليف شفق والاحتفاء العالمي بها والإقبال الجماهيري عليها، والذي قد يكون ارتدادا نحو التسامح والانفتاح على الآخر في ظل وصول العنف إلى حالات غير مسبوقة في تاريخنا الحديث، شجع الكثيرين على الالتفات من جديد إلى التصوف أدبيا وفلسفيا، فصدرت بعدها رواية «موت صغير» للروائي السعودي محمد حسن علوان والتي توجت بجائزة البوكر للرواية العربية.

هذه الأعمال الروائية ألقت الضوء أكثر على التصوف وشجعت على قراءة الكتب الصوفية والروايات التي تخوض فيه، لإعادة اكتشاف جوانب الجمال في هذه النصوص والأفكار العميقة. إن الخوض في التصوف أدبيا ليس عملا سهلا، لكن لا شيء يمنع الإنسان والمثقف والكاتب من أن يكون صاحب رؤى مختلفة ومتعددة وانتماءات ثقافية وفكرية ثرية لينعتق من النظرة الأحادية للعالم ويهرب من الهوامش الطائفية والتناقضات التي تحيط به، بحثا عن ذاته ليكون كما يريد، ويبحث عن إجابات لأسئلته.

10