في السعودية حرب على الكهنوت

على المثقفين العرب الحداثيين أن يتجاوزوا بعض العوائق النفسية والأيديولوجية والجهوية ويقبلون أنه من الممكن أن يأتي الفرج العلماني من المملكة العربية السعودية.
الخميس 2018/03/29
مشهد مفرح

ما يحدث في السعودية من تغيير ليس أمرا هينا ومن المؤسف أن يقف العلمانيون العرب موقفا مترددا من الإصلاحات الجارية والمعلن عنها. يبدو أن الكثيرين لا يزالون تحت الصدمة ولم يهضموا بعد بل ولم يخطر على بالهم قط أن سرعة قطار التطور والانفتاح ستصل إلى هذا المستوى، فكذبوا ما يرون بأعينهم تحت ذرائع واهية من أهمها أن الإصلاحات لم تنبع من الداخل وإنما الخارج هو الذي يمليها على السلطات السعودية.

كعلمانيين لا نخاف في العلمانية لومة لائم، كنا نطالب بالتغيير في السعودية وفي كل البلدان العربية وننتقد ومازلنا ذلك الفكر الديني المتخلف المبلور هناك والذي لوّث الجو الثقافي في كل البلدان العربية طيلة أكثر من نصف قرن من الزمن.

 كنا ننتقد الأموال التي تغدق على المتأسلمين في بلداننا ونعتبرها تشجيعا للتطرف والعنف. كنا نستهجن وضع المرأة السعودية وقمعها من قبل أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كنا نستغرب ونندد بمحتوى البرامج التربوية التي تدعو إلى التكفير والكره. وكنا وكنا..

وحينما يظهر فجأة أمير شاب يريد تغيير كل هذا ويهم بإنزال أفكار تتماشى مع قيم العصر ومبادئ حقوق الإنسان إلى أرض الواقع السعودي ونرى ملموسا وليس نية فحسب، نبدأ في ممارسة رياضة التشكيك في نواياه!

وحتى إن كان مكرها، كما يدعي البعض، أين المشكلة، هل يغير ذلك من الأمر شيئا؟ أليس من المعقول أن نكون براغماتيين؟ نستحسن ما تم ونطالب بالمزيد بدل التقليل من قيمة ما تحقق؟ ألا يجدر بنا كعلمانيين أن نقف مساندين للرجل في مكافحته للظلاميين الذين يعادون مشروعه التحديثي بدل أن نضع الماء بسكوتنا وترددنا في طاحونتهم؟

أليس من واجب العلمانيين أن يثمنوا إعادة النظر في سطوة الكهنوت الذي كان يخنق أنفاس السعوديين وخاصة السعوديات؟ كيف لا نفرح والسلطة في السعودية تصدر قرارا بتطهير الكتب المدرسية من الفكر الإخواني والسلفي وتطهير المناهج من الأفكار الداعية للحقد والعنف والخرافة وإبعاد المدرسين المتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين المدرجة على قائمة الإرهاب؟

كيف لا نفرح والسعوديات يتمتعن كباقي نساء الدنيا على مدرجات الملاعب الرياضية وقاعات العرض الموسيقي والمسرحي والسينمائي قريبا؟ لماذا لا نبتهج حينما تتوفر للسعوديين البسطاء فرصة الاستمتاع بالحياة في بلدهم؟ ألا يفرحنا الاتجاه نحو جعل الدين مسألة شخصية تخص الإنسان وربه وإسكات دعاة الكره المروجين لمقولة الولاء والبراء المؤبدة للبغض في الله؟

على المثقفين العرب الحداثيين أن يتجاوزوا بعض العوائق النفسية والأيديولوجية والجهوية ويقبلون أنه من الممكن أن يأتي الفرج العلماني من المملكة العربية السعودية لأن التجربة التي عاشها الشعب السعودي مدّته بقابلية للتقدم غير متوفرة في بلدان عاشت حداثة معطوبة أو مزيفة جعلت أغلبية الناس في حالة  قابلية للتأسلف والتخونج.

وليس هذا فحسب بل ينبغي على كل من يعتبر نفسه علمانيا أن يساند كل عمل من شأنه أن يحد من تدخل الدين في حياة المواطنين الشخصية والعامة في أي بلد كان.

فمثلا من يقف مع وزيرة التربية الجزائرية نورية بن غبريط التي تعمل جاهدة وبشجاعة منقطعة النظير على إعادة المدرسة الجزائرية إلى جادة الصواب بعد ما أغرقها الإسلاميون في الرداءة والفلكلورية الدينية إذا لم يقف بجانبها الحداثيون في كل مكان؟ هل نتركها تواجه وحدها الإخوان المسلمين في الجزائر؟

من المبكيات المضحكات أن ترتفع أصوات بعض من كانوا محسوبين على الفكر التنويري متسائلة وخائفة على زوال العقيدة والشريعة وأصالة وهوية الشعب السعودي جراء الإصلاحات الجارية وكأن هؤلاء أوصياء على هذا الشعب وكأنهم لا يعرفون بأن “أهل مكة أدرى بشعابها”.

8