في الشعر الجاهلي.. رصاصة طه حسين التي أصابت الهدف وأبت التنقيح

كان تحويل مجرى نهر النيل عند بناء السد العالي في أسوان ذروة السيطرة البشرية على الجغرافيا وتطويعها، وقبل ذلك بنحو أربعين عاما تمرد طه حسين على تراث النقد، وانطلق من التمرد إلى ثورة غيّرت مجرى الدراسات الأدبية والتاريخية بكتابه “في الشعر الجاهلي”. لم يكن كتابا عابرا، بل رصاصة صوبت بدقة وأصابت الهدف، وتجاوزت ارتدادات الزلزال وتوابعه حدود مصر إلى العالم العربي، وانتقلت من فضاءات النقد الأدبي إلى صراعات السياسة. وبنشر الكتاب أرسى عميد الأدب العربي منهج الشك في نقد النصوص الدينية والأدبية، وفتح أفقا غير محدود أمام قراءة جديدة للحياة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، داعيا إلى التماس تلك الحياة “الجاهلية” في القرآن لا في الشعر المنسوب إلى شعراء جاهليين، “فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي. ونص القرآن ثابت لا سبيل إلى الشك فيه… فالقرآن، إذن، أصدق تمثلا للحياة الدينية عند العرب من هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي”. يسهل الآن أن نردد هذا الكلام، وأن نطعن في الشعر الجاهلي، وأن نشكك في روايات وأشخاص اختلقوا اختلاقا قبل الإسلام وبعد الرسالة، ونسبت إلى البعض منهم أدوار خارقة في الفتنة الكبرى. لا يخشى الباحث الآن أن يعلن توصله إلى مثل هذه النتائج، وإبداء شكوكه وهو مطمئن على حياته، بعد أن تدفّقت في نهر الدراسات الأدبية والتاريخية مياه غزيرة، حفرت عميقا أو سلكت سبلا جانبية مستفيدة من جسر متين شيّده طه حسين بثقة، ثم انتحى جانبا لكي تمر العاصفة وهو يدرك أن للرصاصة اتجاها واحدا، وراهن على الزمن “حتى يبلغ الكتاب أجله”.
السبت 2018/01/27
كتاب انتصر للغة القرآن فحاكمه من نصبوا أنفسهم حراسا على الدين

ولد طه حسين عام 1889، في قرية عزبة الكيلو بمحافظة المنيا الجنوبية، وكفَّ بصره في سن السادسة، وانتقل عام 1902 للدراسة في الأزهر، وكان أول المنتسبين للجامعة المصرية التي افتتحت عام 1908، وفيها تلقى علوما عصرية، وألمَّ بطرف من لغات غير العربية، وفي مايو 1914 نال أول درجة دكتوراه تمنحها الجامعة عن رسالته “تجديد ذكرى أبي العلاء”، وفي أغسطس 1914 ابتعث لدراسة العلوم التاريخية في جامعة مونبلييه في جنوب فرنسا، وهناك قابل سوزان بريسو التي ستصبح زوجته، وفي العام التالي اضطر إلى العودة لمرور الجامعة بضائقة تحول دون مواصلة رعاية مبعوثيها، وتدخل السلطان حسين كامل؛ فسافر إلى باريس لإعداد رسالة الدكتوراه عن “فلسفة ابن خلدون الاجتماعية”، ثم عاد إلى مصر عام 1919 مدرسا للتاريخ القديم بكلية الآداب، وأنجز كتبا منها “آلهة اليونان” و”قادة الفكر” و”نظام الأثينيين”. وفي عام 1925 عيّن مدرسا للأدب العربي، وتناول في محاضراته الشعر الجاهلي وكان الكتاب ثمرة تلك المحاضرات.

ثورة تنزع اليقين

في السطر الأول من التمهيد يقول “هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد، لم يألفه الناس عندنا من قبل. وأكاد أثق بأن فريقا منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقا آخر سيزورون عنه ازورارا، ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث، أو بعبارة أصح أريد أن أقيّده، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة. وليس سرا ما تتحدث به إلى مائتين”. وسجل أنه يحب الحياة الهادئة المطمئنة، ولكن هذا لا يمنعه أن يبحث ويفكر ويعلن ما يؤمن به، راضيا بقسمته من الرضا أو السخط، كأنه توقع شيئا من ردود الفعل الغاضبة؛ إذ تنزع “الثورة الأدبية” اليقين وتزرع الشك، والمجددون “قد ينتهون إلى تغيير التاريخ أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ”. واعترف بشكوكه في الشعر الجاهلي، وأن الكثرة المطلقة مما يسمّى شعرا جاهليا لا علاقة لها بالجاهلية، “فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم”، ويصعب بالتحليل اللغوي والفني أن تكون تلك الأشعار قد قيلت قبل الإسلام، فهي عاجزة عن تصوير الحياة الدينية قبل الإسلام، ولا يصح الاستشهاد بها على تفسير القرآن، “فهي إنما تُكلفت واخترعت اختراعا ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون أن يستشهدوا عليه”.

لم يزعج نقاد الأدب أن يكون الشعر الجاهلي حقيقيا أو منتحلا، ولكن الثورة على الكتاب ومؤلفه أشعلها اليمين الديني

لم يزعج نقاد الأدب أن يكون الشعر الجاهلي حقيقيا أو منتحلا، ولكن الثورة على الكتاب ومؤلفه أشعلها اليمين الديني، استنادا إلى الجملة الخاصة بإبراهيم وإسماعيل، واعتراضا على قراءته لمفهوم الجهاد وتحولاته، إذ كان في المرحلة المكية “دينيا خالصا” بين النبي وقريش، وفي المدينة “أصبح هذا الجهاد دينيا وسياسيا واقتصاديا، وأصبح موضوع النزاع بين قريش والمسلمين ليس مقصورا على أن الإسلام حق أو غير حق، بل هو يتناول مع ذلك الأمة العربية أو الحجازية على أقل تقدير لمن تذعن، والطرق التجارية لمن تخضع″. ورأى المحافظون في الكتاب طعنا في النبوة، فمن تأثير الدين في انتحال الشعر ونسبته إلى الجاهليين “ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه في قريش، فلأمر ما، اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي، وأن تكون قصي صفوة قريش، وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانية كلها”. ومن أسباب السخط أيضا إنكار المؤلف أن يكون للإسلام أولية في الجزيرة، وأنه دين إبراهيم، بقوله إن المسلمين “أرادوا أن يثبتوا أن للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي، وأن خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل”.

خلد الكتاب وتلاشت الردود

أثار الكتاب ضجة كبرى، حرائق لم تطفئها المئات من المقالات، وصدرت للرد عليه وتفنيد محتواه وتقييمه كتب منها “تحت راية القرآن” لمصطفى صادق الرافعي، و”نقد كتاب الشعر الجاهلي” لمحمد فريد وجدي، و”نقض كتاب في الشعر الجاهلي” للشيخ محمد الخضر حسين، و”الشهاب الراصد” لمحمد لطفي جمعة، و”النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي” لمحمد أحمد الغمراوي، و”محاضرات في بيان الأخطاء العلمية والتاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي” للشيخ محمد الخضري. ولا تسأل أين هذه الكتب الآن؟ وماذا بقي من مؤلفيها؟ أما طه حسين فانتخبه زملاؤه عميدا لكلية الآداب عام 1928. وفي دولة تحتلها بريطانيا كانت السفارات تفضل أن يكون العمداء من أبنائها، ولا ترضى بعميد مصري، فطلب علي الشمسي وزير المعارف إلى طه حسين أن يتنازل عن العمادة، ووافق بشرط أن يباشر مهام منصبه، ويوقّع أوراقا ولو يوما واحدا، وفي المساء يقدم استقالته، وكان له ما أراد. ثم عاد في نوفمبر 1930 إلى المنصب منتخبا، ليكون أول عميد مصري لكلية الآداب.

أمام المد المحافظ، أرسل طه حسين إلى أحمد لطفي السيد مدير الجامعة النسخ المتبقية من الكتاب، وضعها تحت تصرفه، مصحوبة برسالة تضمنت خلو محاضراته في الشعر الجاهلي من التعرّض للديانات، وأنه مسلم مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبريء مما نسب إليه، ولم يقبل لطفي السيد استقالته، ودافع عن حرية البحث العلمي، وحث على احترام استقلال الجامعة، ورأى أن يسافر طه حسين إلى أوروبا حتى يهدأ الرأي العام.

من الأدب إلى السياسة

وكان زعيم حزب الوفد سعد زغلول، في عام 1925، قد خذل الشيخ علي عبدالرازق المنتمي إلى حزب “الأحرار الدستوريين”، في قضية كتابه “الإسلام وأصول الحكم” واتهمه بالطعن في الدين، وأنه “جاهل بقواعد دينه”. وحين تظاهر طلاب الأزهر أمام البرلمان، اعتراضا على كتاب “في الشعر الجاهلي”، خرج رئيس البرلمان سعد زغلول وقال “إن مسألة كهذه لا يمكن أن تؤثر في هذه الأمة المتمسكة بدينها. هبوا أن رجلا مجنونا يهذي في الطريق فهل يغير العقلاء شيئا من ذلك؟ إن هذا الدين متين وليس الذي شك فيه زعيما ولا إماما حتى نخشى من شكه على العامة. فليشك ما شاء، ماذا علينا إذا لم يفهم البقر؟”. وعندما وجه سعد زغلول لوما إلى عباس العقاد لدفاعه عن الكتاب رد عليه العقاد “ليس دفاعا عن الكتاب، ولكن دفاعا عن حرية الفكر”.

تجاوز كتاب "في الشعر الجاهلي" عامه التسعين، ولا يزال شابا تتجدد حيويته بأفكار مؤلف لم يكف يوما عن الكتابة ولم يترك نوعا أدبيا إلا ضرب فيه بسهم، ولكن الزمن اصطفى كتابه "في الشعر الجاهلي" أيقونة

ولم تهدأ ثورة البرلمان، فالنائب الشيخ مصطفى القاياتي قال إن في الكتاب “قبائح متعددة”، وقرر استجواب رئيس الحكومة عدلي يكن، وبذلت مساع لكي يعدل عن عزمه، وقال إن الرجل مادام يعترف بأنه مسلم، فقد ارتد ثم أسلم، وإن التوبة لا تسقط العقوبة. وطلب النائب عبدالحميد البنان أن تكلف الحكومة بمصادرة الكتاب، وإحالة المؤلف إلى النيابة، وإلغاء وظيفته. ووافق علي الشمسي وزير المعارف على القسم الأول، وجرت بين رئيسيْ الوزراء والبرلمان مناقشات بشأن القسمين الآخرين. وكان طه حسين خارج البلاد فأرجأت النيابة التحقيق معه حتى يعود.

ومن الطبيعي أن تدافع صحيفة “السياسة” لسان حزب “الأحرار الدستوريين”، عن نجمها طه حسين، فنشرت تحت عنوان “رجال الدين وحركاتهم السياسية” في 7 يوليو 1926، تدعو أولي الأمر إلى تلافي “الخلاف بالحكمة والأناة”، فلما قرأها طه حسين أرسل لرئيس تحريرها محمد حسين هيكل مقالا نشر في 16 يوليو 1926، وتضمن دفاعا عن نفسه ومشروعا لإصلاح الأزهر. وحمل المقال عنوان “خطران”، وهما الجهل والجمود.

والآن تجاوز كتاب “في الشعر الجاهلي” عامه التسعين، ولا يزال شابا تتجدد حيويته بأفكار مؤلف لم يكف يوما عن الكتابة، ولم يترك نوعا أدبيا إلا ضرب فيه بسهم، ولكن الزمن اصطفى كتاب “في الشعر الجاهلي” أيقونة. وأكتشف وأنا أكتب عنه الآن أن لدي منه عدة طبعات إحداها صدرت في تونس عام 1997، وهي باكورة مشروع “مكتبة طه حسين” للناشر التونسي حسن أحمد جغام الذي يستهدف نشر تراث طه حسين وما صدر عنه من دراسات. أحتفظ بطبعات “في الشعر الجاهلي”، بعد أن نشأت على أن الكتاب ومؤلفه ملعونان.

في بداية الدراسة الثانوية قرأت كتاب أنور الجندي “رجال اختلف فيهم الرأي”. كنا نعرف اسم طه حسين، وندرس رحلة كفاحه كما سجلها في “الأيام” المقررة في المنهج الدراسي، وجذبني المسلسل التلفزيوني “الأيام” بفضل أداء أحمد زكي، ونفرت من صوت محمود ياسين وأدائه المفتعل في فيلم “قاهر الظلام”.

ثلاث نوافذ على الخيال، كتاب ومسلسل تلفزيوني وفيلم، لم تمنع صبيا تلقى تربية إخوانية من أن يبتهج باتهام أنور الجندي لطه حسين. وقد أغفل الجندي ما يثيره الكتاب من أسئلة، وانتقى جملة يكفي ظاهرها لاتهام قائلها بالكفر، “للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها”.

في جامعة القاهرة تقصّيت كتبا وكتابات أخرى لأنور الجندي؛ لكي أطمئن إلى أن العميد يستحق أن ألعنه “لعنا كبيرا”. ولما قابلت أنور الجندي في بيته نثر اتهاماته على كل رموز العقلانية ممن لا يرفعون راية إسلامية، وأخبرني أن طه حسين اعتنق النصرانية سرا، قالها بصوت خفيض أستعيده الآن، وأود لو يرصد باحث دؤوب ما كرّره الجندي عن طه حسين في معظم كتبه ومقالاته، أو يفسر متخصص في الطب النفسي تحولات تلك العلاقة، ففي يوليو 1953 كتب في مجلة “الأديب” اللبنانية “لا تستطيع أن تفهم طه حسين أو تصل إليه بمؤلف واحد من مؤلفاته، فهو رجل أحب الحرية وكلف بها منذ صباه، وقد جر عليه حبه لها متاعب كثيرة، كانت هذه المتاعب في حلقاتها المتصلة، عاملا من العوامل التي دفعته لأن ينشئ ألوانا مختلفة من الأدب، وفنونا من الحديث. اصطدم طه حسين بالناس، واصطدم بالحكومات، واصطدم بالملك المطرود، واصطدم بالأزهر والأزهريين في مطلع حياته، وكان طوال هذه الأربعين عاما من عمر أدبه، ينتقل من مرحلة إلى مرحلة، لا يتوقف ولا يجمد ولا يبهره المجد الأدبي، أو تسلمه الشهرة إلى النوم العميق”.

أرسى طه حسين منهج الشك في نقد النصوص الدينية والأدبية، وفتح أفقا غير محدود أمام قراءة جديدة للحياة في الجزيرة العربية قبل الإسلام

كتاب شاب تفادى اللعنات

وفي فبراير 1966 كتب الجندي في عدد مجلة “الهلال” الخاص بالعميد دراسة عنوانها “صفحات مجهولة من حياة طه حسين 1908 - 1916” عن ذلك الشاب الطموح وحماسته “المطلقة” التي “تريد أن تؤكد ذاتها، ولما تتسع بعد آفاقها الفكرية وترحب وتتصل بالفكر الإنساني”. ولم يكن الجندي حتى وفاة طه حسين عام 1973 قد عثر على أدلة يثبت بها اتهامه الجاهز لكتاب “في الشعر الجاهلي”، ثم اكتشف بعد رحيل طه حسين أن كتابه “لم يكن إلا حاشية.. على متن مرجليوث”. وسيفتح الله عليه بفيض من المقالات، وكتابيْ “طه حسين.. حياته وفكره في ميزان الإسلام” عام 1976، و”محاكمة فكر طه حسين” عام 1984.

ظلت علاقتي بكتاب “في الشعر الجاهلي” غائمة، إلى أن قرأته منشورا في عدد فبراير 1996 من مجلة “القاهرة”، عدد ضخم خصصه رئيس تحريرها غالي شكري لكل من شادي عبدالسلام ونصر حامد أبوزيد وطه حسين، ونشر مع نص الكتاب قرار رئيس النيابة الذي حقق مع المؤلف في بلاغ قدمه الشيخ خليل حسنين الطالب بالقسم العالي بالأزهر، في 30 مايو 1926، إلى النائب العمومي يتهم فيه طه حسين الأستاذ بالجامعة المصرية بأنه ألف كتابا فيه “طعن صريح في القرآن العظيم حيث نسب الخرافة والكذب لهذا الكتاب السماوي الكريم”، وفي 5 يونيو 1926، أرسل شيخ الأزهر خطابا إلى النائب العمومي مرفقا به تقرير علماء الأزهر عن كتاب طه حسين الذي “كذب فيه القرآن صراحة، وطعن فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى نسبه الشريف وأهاج بذلك ثائرة المتدينين وأتى فيه بما يخل بالنظم العامة ويدعو الناس إلى الفوضى، وطلب اتخاذ الوسائل القانونية الفعالة الناجعة ضد هذا الطعن على دين الدولة الرسمي وتقديمه للمحاكمة”.

وانتهى المحقق إلى أن المؤلف “كتب ما كتب عن اعتقاد بأن بحثه العلمي يقتضيه، ولكنه مع هذا كان مقدرا لمركزه تماما وهذا الشعور ظاهر من عبارات كثيرة في كتابه منها قوله: وأكاد أثق بأن فريقا منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقا آخر سيزورون عنه ازورارا، ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث.

إن للمؤلف فضلا لا ينكر في سلوكه طريقا جديدا للبحث.. وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه إنما أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها. وحيث إنه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر فلذلك تحفظ الأوراق إداريا. محمد نور. رئيس نيابة مصر القاهرة في 30 مارس سنة 1927”.

في عام 1927 أعاد طه حسين إصدار الكتاب، وأجرى بعض التعديلات، وصار العنوان “في الأدب الجاهلي”. ولا أجد تفسيرا لعزوفي عن قراءة الكتاب “المعدّل”، ربما لأني أرفض الاستتابة.

روائي مصري

16