في الطريق إلى الاتحاد: بعض الأسئلة لقمة الكويت

الثلاثاء 2013/12/10

عند نشر هذه المقالة اليوم الثلاثاء تكون القمة الخليجية على وشك الانعقاد بدولة الكويت التي انطلقت منها فكرة مجلس التعاون الخليجي على يد المرحوم الشيخ جابر الأحمد الصباح. وقد ترقبت قبل انعقاد هذه القمة، طامعا أو حالما، مثل غيري من الذين يشعرون بتغير مفصلي في هذه المرحلة الخليجية الحساسة، أن يُجري مجلس التعاون لدول الخليج العربية أو الدولة المضيفة، أو أي مركز دراسات خليجي، استطلاعا شعبيا يعبر فيه مواطنو الخليج عن هواجسهم وتطلعاتهم و(تخوفاتهم) من المستقبل، الذي تكتنفه غيوم دولية وإقليمية، يشعرون أنها تهدد أمنهم وسلامة دولهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

لكن، حسب علمي، لم يُجر إستطلاع من هذا النوع ولا من أي نوع يضع شعوب المنطقة داخل مشهد القمة وهي تلتئم مشفوعة بهزات واضحة تهدد المجلس الخليجي ذاته بالتفكك والاضمحلال، إذ قبيل 48 ساعة من انعقاد قمة الكويت أعلنت سلطنة عُمان معارضتها رسمياً للاتحاد الخليجي الذي دعا إلى إقامته قبل سنتين خادم الحرمين الشريفين، الملك عبدالله بن عبدالعزيز. وكان وزير الدولة العماني للشؤون الخارجية، يوسف بن علوي، واضحا ومفاجئا حين أعلن عن استعداد عُمان للانسحاب من مجلس التعاون الخليجي في حال نجاح الجهود لإنشاء اتحاد بين الدول الست بدلاً من مجلس التعاون الخليجي. وقال أنه في حال تم إنشاء الاتحاد لن يعود مجلس التعاون الخليجي قائماً لأن الاتحاد هو الصيغة الجديدة التي ستحل محله ليضم أربع دول أو خمس أو ثلاث، وليس ست دول.

وقد أثارت هذه المفاجأة، التي قيل إنها تخلو من الدبلوماسية التي عرف بها حكيم السياسة العمانية، حفيظة مواطني دول مجلس التعاون، خاصة السعوديين، الذين انقضوا عاطفيا، في وسائل التواصل الاجتماعي، على الموقف العماني الصريح ووصفوه بما طاب لهم من الأوصاف. العمانيون، بطبيعة الحال لم تعجبهم ردة الفعل هذه لكنهم اكتفوا من غنيمة المناجزة الشعبية عن اتحاد دول الخليج بما مفاده أنه كما أن لدى غيرهم قناعات فإن لديهم قناعات، وكما يرى البعض أن من حقهم الاتحاد فإن من حقهم الانسحاب من المجلس في حال قام هذا الاتحاد، بحيث، كما قال المثقف العماني الدكتور حيدر اللواتي: «لا تلزموننا ولا نلزمكم».

وهنا تفرض العودة إلى المربع الشعبي الخليجي نفسها مرة أخرى، حيث لم يَسأل أحد الخليجيين على المستوى الشعبي عن رأيهم في الاتحاد، الذي يفترض فيه بداهة أن يلي مرحلة التعاون التي عاشها المواطن الخليجي لأكثر من ثلاثين سنة إلى الآن. وإزاء الموقف العماني، الذي يمثل تهديدا غير مسبوق لتماسك مجلس التعاون، لا أعتقد أنه يوجد مواطن خليجي واحد يرضى بنسبة مئة بالمئة عما أنجزه هذا المجلس في عقوده الثلاثة الماضية، بل إن المجلس ذاته لو دخل اختبار المنجزات فلن يحصل على علامة كاملة بأي حال من الأحوال. وهذا أمر يعترف به قادة دول الخليج أنفسهم وصناع (طبخة) التعاون السابقين واللاحقين، الذين أرهقتهم سنين حمل الملفات المتعثرة والمؤجلة.

بمعنى آخر لو أن السعودي والعماني وباقي أشقائهم في دول المجلس تكونت لديهم ثقة كاملة وحقيقية بقدرة المجلس على الإنجاز وتحقيق مصالحهم الاقتصادية والأمنية، لأسرعوا يقينا إلى الترحيب بفكرة الاتحاد، الذي سيبنى وقتها على أرض صلبة خالية من التشكيك والتردد، الذي يحدث الآن، بصورة أو أخرى، لدى أكثر من دولة خليجية. ويبدو أن الخليجيين الآن، حتى أولئك الذين صبوا جامَ مواقفهم على عمان الرافضة لفكرة الاتحاد، لا ينتظرون من قمة الكويت أكثر من اتخاذ خطوات عملية حقيقية تستجيب لهذه المرحلة شديدة الحساسية والخطورة في حياة دول وشعوب التعاون من جهة، وتستجيب لتطلعات المواطنين في إنجاز الملفات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية المتعثرة. وهذا يعني، ضمنا، أن بعض الخليجيين وإن دافعوا عاطفيا عن فكرة الاتحاد فإن ما يهمهم في المقام الأول، حين يوضعون على المحك، هو أن تصدق أولا نوايا التعاون بين دول المجلس.

ولكي يصدق المواطن الخليجي بأن (نوايا التعاون صافية وصادقة) فإنه لابد أن يرى أثر المجلس مباشرة على حياته وعلى مستقبل أولاده، ومن ثم يمكن مناقشة قناعاته في إمكانية أو ضرورة قيام الاتحاد الخليجي. أي أن المسألة، أكانت تعاونا أم اتحادا، لم تعد قابلة أو خاضعة لقرارات لا تُشرك فيها الشعوب التي بقيت إلى الآن بعيدة عن كل الملفات المشتركة خليجيا. وهذا سيعني بالنتيجة أن المطلوب وبشكل عاجل، إن أردنا المحافظة على لحمة المجلس وتطويرها إلى لحمة إتحادية متفق عليها، أن تدخل شعوب دول المجلس إلى مطبخ صناعة قرارات التعاون فيما بين هذه الدول.

وبالتالي لكي نسير على هدى في مستقبل التعاون الخليجي ومن ثم تحقيق إرادة الاتحاد، التي لا تزال إلى الآن حلما يداعب مخيلات شعوب المنطقة، فإنه لابد من أمرين: الأول تطوير المشاركة السياسية داخل كل دولة من دول المجلس من خلال البناء على ما تم اتخاذه من خطوات مبدئية في الإصلاح والتحول الديمقراطي، الذي تطبقه كل دولة الآن على طريقتها بمسميات مختلفة وبوتائر متباينة. والأمر الثاني أن تجري أنظمة الخليج التفاتة حقيقية إلى طموحات مواطني دول المجلس، إذ أن المواطن، في نهاية المطاف، لا تعنيه المصطلحات بقدر ما تعنيه المنجزات. ولسان حال هذا المواطن، من مسقط إلى الرياض، يحمل الأسئلة التاريخية ذاتها، على سبيل المثال لا الحصر: بماذا ستفيدني المنظومة الخليجية، سواء أسميتها مجلسا للتعاون أو أسميتها اتحادا بين دول المنطقة؟ وهل إذا قام الاتحاد الخليجي سيكون تحقيق المنجزات أسرع وأكثر كفاءة؟ هل ستتجاوز دول المجلس تعقيدات الاستثمار وعوائقه الشكلية والإجرائية فيما بينها؟ وهل هناك موعد نهائي لإطلاق السوق الخليجية المشتركة التي كانت من المفترض أن تبدأ عملها عام 2011 ثم أجلت؟

وعلى الصعيد الأمني، غير ما تغطيه مضابط الاتفاقيات المشتركة، هل ستأخذ دول الخليج، من الآن وصاعدا، انفجار أعداد العمالة الوافدة وما تمثله من تهديد لأمنها واستنزاف لاقتصادها (80 مليار تحويلات في عام 2012) على محمل الجد وتضع خططا لاستيعاب مواطني دول المجلس في مشاريعها ووظائفها التنموية؟ ولتحقيق هذا الاستيعاب البشري التنموي هل دول الخليج مجتمعة مستعدة الآن لرسم خطط تعليم متقدمة لأبنائها وبناتها الذين سيستلمون وظائف المستقبل القريب والبعيد؟

وفيما يمكن أن أسميه الجانب الفكري والثقافي العام، هل كل دول الخليج متفقة الآن على سقف مشترك لحقوق المرأة ودورها في التنمية وتمكينها من الوظائف العامة؟ وهل تعي كل دول الخليج خطورة تمدد الممارسة الطائفية بين شعوبها وما يمكن أن تحدثه من شروخ على المستوى المحلي لكل دولة وفي دول المجلس، أو الاتحاد، بشكل عام؟ وهل لديها قراءات متقنة لتمدد تيارات الإسلام السياسي، الذي اتضح خطره عليها حين كان تنظيم الإخوان على سدة الحكم في مصر؟

وأخيرا، وهذا سؤال مكرر من مقالة الأسبوع الماضي: هل هذه الدول مستعدة الآن ليكون مواطنها على اطلاع كامل على سياسة بلده الخارجية وتأثيراتها على السياسات الداخلية، ليبدأ على الفور بتكوين وعيه السياسي حتى يتشارك مع حكامه هواجس وهموم المرحلة، أم أن هذا لا يزال ليس (شغله) ولا يعنيه في قليل أو كثير؟

إذا استطعنا أن نجيب على هذه الأسئلة وغيرها من أسئلة هذه المرحلة الخليجية الصعبة، نستطيع أن نقول إننا وضعنا الخطوة الأولى على طريق الاتحاد الخليجي، لأننا نكون قد غرسنا بذرة الإيمان لدى المواطن الخليجي بضرورة وفائدة قيام هذا الاتحاد، الذي اختلفنا عليه في البحرين وقد نختلف عليه في الكويت قبل أن نسأل عن وجود قواعده الشعبية وآلياته البديهية.


كاتب سعودي

9