في العدالة ومحاربة الفساد بتونس

الخميس 2017/03/09

الموضوع الذي شغل الناس هذا الأسبوع وتناولته وسائل الإعلام على اختلافها واتخذت بشأنه المواقف المختلفة المتباينة هو الأحكام القضائية التي أصدرتها في آخر الأسبوع الماضي الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس على عدد من وزراء الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في ما عرف بقضية “ماري كاري”، بسجنهم مدة ست سنوات مع “النفاذ العاجل” في تطبيق الحكم. والقضية ترجع إلى عشر سنوات خلتْ إذ قامت شركة خاصة لأحد أفراد عائلة الرئيس الأسبق بتنظيم حفلين موسيقيين للمطربة الكندية ماري كاري قيل إن مداخيلهما ستعطى لصندوق التضامن الوطني 26-26 فأعفيت المداخيل من الضريبة، لكن الشركة المنظمة قد اتُّهِمَت فيما بعد بتحويل المداخيل إلى حسابها بتواطؤ مع مسؤولين في الدولة منهم الوزراء الذين صدرت ضدهم الأحكام بتهمة الاختلاس والاستيلاء على الأموال العمومية.

وقد أثارت الأحكام الصادرة ضد الوزراء مواقف تراوحت بين التأييد والتنديد.

فأما التأييد فقد صدر جله عن معارضي النظام السابق الذين فتحوا باب التتبعات والمحاكمات والعقوبات له ولرموزه منذ سنة 2011، باحثين عن هفواته وسقطاته سواء في تسيير الدولة، أو في التعامل مع المال العام، أو في تحقيق المصالح للعائلة الحاكمة ولأقاربها والدائرين في فلكها من الحاشية. وفي هذا التأييد اتهام صريح لنظام الحكم السابق بالفساد وتجاوز القوانين المنظمة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم. ولا تخلو مواقف هؤلاء في الحقيقة من نزعات التشفي والانتقام من رموز نظام قد عاداهم وألحق بهم الأذى.

وأما التنديد فصادر عن عدد من الأحزاب والسياسيين والمحامين والحقوقيين، الذين رأوا أن ما قام به الوزراء إنما كان تنفيذا لأوامر علية كانت تصدر لهم وعليهم تنفيذُها، فقد قاموا بتنفيذ ما أمروا بتنفيذه في نطاق عملهم الإداري ولا يتحملون بذلك مسؤولية التجاوزات والإخلالات إن وقعت حقّا، خاصة وأنه لا توجد أدلة على أنهم قد تصرفوا في المال لأنفسهم. وهؤلاء يرون أن المحاكمة لم تكن قضائية، بقدر ما كانت سياسية موجهة، بل إن من المحامين من ذهب إلى أن الأحكام كانت معدة قبل المحاكمة لأن مرافعات الدفاع لم تُعْطَ حظها من الاستماع والمتابعة ولم يؤخذ بما ورد فيها من الحجج، وفي هذا اتهام ضمني للقضاء بالانحياز وعدم الحياد في تعامله مع القضية.

والقضية تحيط بها في الحقيقة ملابسات كثيرة، وهي ذات وجوه تجعلها قابلة لأن ينظر إليها من زوايا مختلفة، ونريد أن نقف عند اثنين من تلك الوجوه. أولهما هو علاقة النظام السابق بمعارضيه وممارساته معهم. ولكي نضع الأمور في مواضعها لا بد من الإقرار بأن نظام الحكم كان دكتاتوريا لأن الرئيس فيه كان مصدر السلطات جميعها تقريبا. ولكن لا بد من الإقرار أيضا بأن الرئيس لم يُخلق دكتاتورًا بل الشعب هو الذي يُفسده، فإن الحبيب بورقيبة وبن علي كانا في بدايات حكمهما ملتزمين بمبادئ الحكم الجمهوري وقوانينه، لكن المحيطين بهما، من الأقارب والحاشية والأتباع والمتحزبين وأعوان الإدارة، هم الذين نفخوا فيهما وزيّنوا لهما مزايا الاستبداد بسكوتهم عن هفواتهما وغضهم النظر عن تجاوزهما للسلطة وتفننهم في إظهار علامات الولاء والتأييد لما يصنعانه وما ينويان القيام به، وكان من أسوإ ما نَوَيَاهُ فلقيا التأييد من الأقارب والأباعد بقاؤهما في السلطة إما مدى الحياة وإما باللعب على الدستور بتغيير فصوله لضمان استمرار الترشح للرئاسة. وبما أن الرئيسين من البشر محكوم عليهما بأن يصيبا وأن يخطئا، فقد أفقدهما الشعب صوابهما السياسي ودفعهما إلى الخطأ. ولم يخلُ القاموس السياسي عندنا في عهد الرئيسين من مصطلح الديمقراطية، لكنه كان مصطلحا يحمل مفهوما أجوف منحرفا.

وأما المعارضة في عهديهما – وقد عشتُ معها في الجامعة أيام الطلب ثم عرفت كثيرا من رموزها وأنا أستاذ في التعليم الثانوي ثم في التعليم العالي – فلم تكن معارضة مدنية جمهورية تدافع عن الديمقراطية وتريد أن تعيد إلى مفهوم المصطلح ما أفرغ منه، بل كانت كلها معارضة إيديولوجية تسعى إلى الوصول إلى الحكم لتغيير نظام سياسي بنظام آخر. فقد كانت إما يسارية تتخذ من التفكير الماركسي مرجعية لها، وإما قومية وخاصة في جزئها البعثي الذي يتخذ من النصوص البعثية منطلقات فكرية له، وإما إسلامية تتخذ من الأدبيات الدينية الإخوانية مصادر لها. فقد كانت غايتها جميعا أن تغيّر النظام السياسي بنظام آخر، وبما أن مرجعياتها جميعا مرجعيات إيديولوجية فإن النظم السياسية التي كانت تبشّر بها نظم دكتاتورية في جوهرها، لا تختلف عن النظم الشمولية أو الكليانية الشيوعية والبعثية والإسلامية التي عرفها القرن العشرون.

ما يزيد في الاستغراب هو علاقة هذه القضايا جميعها بالإسلام السياسي في تونس، وهو ما جعل بعض السياسيين ورجال القانون يتحدثون عن (سياسة المكيالين) في تقييمهم للأحكام الصادرة ضد وزراء بن علي

وفي إطارٍ مثل هذا فإنه يحق للمتابع أن يستنتج أن هذه المعارضة لم تكن أوْلى من الحبيب بورقيبة بالحكم كما لم تكن أحقّ من بن علي – وقد جاء في الأصل لإصلاح ما صدر في الفترة التي سبقته من الأخطاء – بالسلطة. ثم إن من حق كل نظام قائم – وخاصة إذا كان يلقى التأييد من الشعب مثلما هو الأمر في عهد بورقيبة قبل أن يُضْعِفَه المرض ثم في عهد بن علي قبل أن تجنيَ عليه عائلته – أن يدافع عن نفسه وعن الدولة وهيبتها، وأن يدفع عنه معارضيه الذين يريدون إزالته والقيام مكانه. كما يحق للمتابع أن يرى في ما يسمّى اليوم بـ“العدالة الانتقالية” كما تطبقها “هيئة الحقيقة والكرامة” خاصة عدالة عرجاء عوجاء، لأنها عدالة يديرها المعارضون لنظامي الحكم السابقين قائمين بدور الخصم والحكم في الوقت ذاته، فإنهم يقدّمون في “شهاداتهم” ما حصل لهم دون أيّ تأطير لذلك بذكر ما حصل منهم من أفعال فاستحقوا العقاب؛ وكان ينبغي لهيئة الحقيقة والكرامة أن تبحث عن الحقيقة وعن الكرامة معا، بأن تسند أمر التحقيق في تجاوزات النظام السابق إلى أناس حكماء عقلاء لا تسيطر عليهم أهواؤهم الانتقامية ليتعرّفوا ويعرّفوا الناس بما أحاط بالشكاوى التي يقدمها المتظلمون من أسباب ونتائج. وفي هذا السياق الذي يصبح فيه المعارض القديم خصما وحكما في الوقت ذاته في مقاضاة النظام السابق يمكن أن تُنَزَّلَ الأحكامُ الأخيرة الصادرة ضد وزراء بن علي.

وهذا الوجه الأول مؤد بطبيعته إلى الوجه الثاني من القضية، وهو علاقة القضاء بالسياسة. والقضاء عندنا يمر في الحقيقة بأزمة منذ حل الإسلام السياسي في السلطة سنة 2011، وقد كان لما قام به نور الدين البحيري، وزير العدل في حكومة حمادي الجبالي بإقالته اثنين وثمانين قاضيا دفعة واحدة بتهمة الفساد دون محاكمة أو سماح لهم بالدفاع عن النفس، أثر في تأزمه، وما يشهده القطاع اليوم من إضرابات ومن اختلافات بين أطرافه حول المجلس الأعلى للقضاء يمثل مظهرا من الأزمة أيضا.

ولكن تأزم القضاء في داخله لا يعني بالضرورة أنه منحاز أو أنه واقع تحت تأثير اللوبيات السياسية. فإن المسؤولين عنه يدافعون ويلحون في الدفاع عن استقلاليته وحياده، بل يتصدون بالتتبع والعقاب لمن يشكك في ذلك. ولا شك أن لا أحد يريد للقضاء أن يكون في خدمة السلطة التنفيذية أو أن يكون تابعا لأي جهة كانت، لأن المواطنين يؤمنون بأن العدل أساس العمران وأن لا عدل في القضاء إذا أُخْضع لأهواء السياسيين. ولكن من حق المتابع أيضا أن يستغرب بعض الظواهر كما استغرب الناس اليوم الأحكام الصادرة ضد وزراء بن علي. وقد سبق للناس – ومنهم رئيس الجمهورية – أن استغربوا الأحكام الصادرة على المشاركين في قتل لطفي نقض، كما استغربوا إطلاق سراح عدد من المتورطين في الأعمال الإرهابية الذين عادوا إلى أعمالهم الإرهابية بعد إطلاق سراحهم؛ كما أن الناس ما زالوا يستغربون التباطؤ الذي يُعامَلُ به ملفّ اغتيال الشهيد شكري بلعيد، وقد أدى الأمر إلى تقديم هيئة الدفاع طعونا في حيادية القاضي المكلف بالملف وشكاوى ضده، كما يستغربون التباطؤ الذي يُعامَلُ به ملف الفساد المالي المتعلق برفيق عبدالسلام وزير الخارجية في حكومة حمادي الجبالي في ما عرف بـ“قضية الهبة الصينية”.

وما يزيد في الاستغراب هو علاقة هذه القضايا جميعها بالإسلام السياسي في تونس، وهو ما جعل بعض السياسيين ورجال القانون – حسب جريدة الشروق ليوم 7 مارس الجاري – يتحدثون عن “سياسة المكيالين” في تقييمهم للأحكام الصادرة ضد وزراء بن علي، ويرون “أن أشخاصا آخرين ارتكبوا أخطاء عديدة سواء في العهد السابق أو في فترة ما بعد الثورة لكنهم بقوا بعيدا عن المحاسبة مستفيدين في ذلك من “التغطية السياسية” على أفعالهم بعد أن انتموا إلى جهات سياسية أو قدموا تنازلات”، و“الجهات السياسية” التي تؤمّن “التغطية السياسية” الملجـأ إليها هو في المقام الأول حزب النهضة الذي ما انفك يستقبل “التائبين” من رجالات نظام بن علي بعد أن كان يصفهم بـ“الأزلام” في وقت قريب، وبعد أن كان من ألد المعارضين لنظام الحكم الجمهوري في عهدي بورقيبة وبن علي، وقد كانت إفادته من الثورة أكبر من إفادة أيّ جماعة سياسية معارضة أخرى بما حصل عليه من المنافع، وهو القائم الحقيقيّ اليوم بدور الخصم والحكم في محاكمة النظام المدني الجمهوري الحداثي السابق لسنة 2011.

ولقد أخطأ هذا الحزب يوم تدخل في شؤون القضاء فقام بعزل جماعي لعدد كبير من القضاة بدعوى أنهم فاسدون، فقد كان ذلك تدخلا صريحا في السلطة القضائية، ويُعدّ خطؤُه اليوم أكبر إن صح ما يتهم به من تأثير في سير القضاء وتوجيه لبعض أحكامه. فإن المفروض في المجتمعات الديمقراطية أن يخلص القاضي من أثر أي هوى أو عصبية غير العصبية للحق، ومن توجيه أي حزب من الأحزاب أو أي جهة سياسيّة غير توجيه النصوص القانونية التي يرجع إليها ويجتهد في تأويلها وفي تطبيقها حسب ما يمليه عليه ضميره وما تدله إليه خبراته.

كاتب وجامعي تونسي

9