في العراق.. الحائط شريف ويسمع الشكوى

الجمعة 2014/09/05
كم من صرخة خرجت من حناجر العراقيين ليسمعها الساسة

عندما يسد المسؤولون الآذان يضطر العراقي للتحدث بشكواه إلى الحائط، هذا ليس تخيلاً، إنما حقيقة أن عراقياً أخذ يتحدث إلى الحائط الأصمّ في فيلم انتشر على يوتيوب. فيكفيه صدى كلماته أنها سُمعت، بل وجد فيها العفة والشَّرف، فأخذ يخاطبه قائلاً “يا حايط أنت شريف”.

ظل الرَّجل أمام ما يحدث حوله حائراً بين ميليشيا وأخرى ومسؤول وآخر وحوزة وأخرى، ثم ألقى داعش بظله الثقيل عليه. وقف مواجهاً الحائط، ويعلم أنه أصم، لكنه قد يكون سمع أن المتنبي قال: “وأسمعت كلماتي مَن به صمم”.

وفي الحالة العراقية الحائط يسمع ويتكلم بالصدى، قياساً بما يحصل في البلاد مِن تداعيات وفضائح تحولت فيها الحيطان إلى شخوص تسمع الشَّكوى.

قال الرَّجل وأخذ يُكررها “يا حايط يا حايط”، وهو يقف أمام الحائط، وبين لحظة وأخرى يلمسه، وكأنه يتفحص عقله عبر ما لمست يده، أكان بالفعل حائطا أم ميليشيا أو حوزة وما أكثر الحوزات الدينية في عراق اليوم، ففي كل قرية ومدينة حوزة أو مدرسة دينية تعمل ليل نهار على دفع العراقيين إلى ما يشبه الجنون، مع أنهم يرون الحديث مع الحائط ليس جنوناً، بل الجنون أن تبقى أكثر من عشرة أعوام تشكو ولا أحد يسمع الشكوى، ومثلما يقول المثل “أذن من عجين وأذن من طين”، وهل يسمع الطين والعجين؟

أخذ الرَّجل يتحدث إلى الحائط بهمومه، واضعاً فيه كل العناوين المفترسة لطموحاته، وهي ليست بالكثيرة، إنها بحدود أمن من خوف وإطعام من جوع، لا أكثر.

قال الرجل لصاحبه (الحائط) “يا حايط، أنت الحكومة، أنت الأحزاب، أنت الميليشيات، أنت الحوزة، أنت الحوزات، أنت الفاسد، أنت الإرهاب، أنت داعش؟”. وظل يدور حول ظله أمام الحائط، وبين الفينة والفينة يتلمسه لعله يشعر به.

لمشاهدة التسجيل، ابحث في يوتيوب عن: "عراقي يشكو همه للحائط بحثا عن إجابة"

بُث في اليوتيوب مِن أيام، وتلقفته وسائل التواصل، حتى صار مِن الشهرة، ليس بين العراقيين فقط إنما تعدى إلى غيرهم، ومع غرابة الموقف، لكن ليس هناك مَن علّق على المحادثة مع الحائط سلباً، إنما تضامن المعلقون مع الرَّجل، الذي يظهر بمظهر مؤلم، كأنه يحمل على كتفيه جبلاً مِن المأساة، كانت ملامحه خالية مِن الدهشة وهو يتحدث إلى الجدار الأصم.

فماذا يعني هذا؟ فما حصل ليس تمثيلاً، فالناس في لحظات البؤس واليأس تتحدث مع الحجارة أو مع الحيوان، عندما يغلق الآخرون آذانهم، وهي على ما يبدو طريقة مثلى لإبعاد شبح الجنون، لأن الحدث مع النفس بصوت مسموع لا يُفسر إلا بالجنون، والشَّكوى حينها تؤذي القلب، ولا تُرجع صدىً، لهذا كان ابتكار هذا الرَّجل في التعبير عن مأساته، وضمناً مأساة الوطن كاملاً، صارخة في الاحتجاج.

فقد قيل قديماً في أحوال الخوف والرعب من السلاطين “للحيطان آذان”، كتعبير مجازي عن الحالة، لكنَّ أن تشكو إلى الحائط فبالتأكيد له آذان على الحقيقة لا المجاز.

السؤال: هل يخجل مَن هم أصحاب تلك العناوين، التي خاطبها الرَّجل عبر الحائط؟ مِن أحزاب وحوزات وحكومة ويفتحون الآذن لكلماته؟ أظن أنه عندما قصد الشكوى إلى الحائط، وبها الألم وما يحمله مِن هموم، أنه حوّل تلك العناوين إلى مجرد أحجار، بنى منها حائط يأسه، وفي ذهنه يبقى الحائط شريفاً قياساً بدولة اللاّشرفاء.

1