في العراق "دولتان" من طراز واحد

الثلاثاء 2015/03/03

توضح الحرب التي تدور رحاها بين “الدولة” وميليشياتها في العراق، وبين تنظيم داعش الذي يحكم مساحات واسعة من البلاد، ذلك النهج الذي تخوض وفقه “الدولة” العراقية الصراع من أجل استعادة أراضيها من قبضة التنظيم. والذي يتشابه في النهج والبنية العامة والممارسات مع “دولة” داعش إلى درجة التماهي في الكثير من الحالات.

في العنوان الرسمي للعملية العسكرية التي أُعلن عنها لاستعادة تكريت “الثأر لسبايكر” خير يفصح عن النهج الثأري الذي لا يمت لأدبيات الدول الحديثة بصلة، سيما أنها أي “الدولة” العراقية قد أعدت من أجل عملية الثأر تلك، مجاميع من أهالي قتلى منتسبي قاعدة سبايكر، تحمل نفس عنوان العملية وجهزتهم بكافة أنواع الأسلحة.

هذا الخبر احتفت به وكالة فارس الإيرانية للأنباء، مع تناقلها لتصريحات بالخط العريض، لما يعرف بتنظيم عصائب أهل الحق يتوعد فيها بالثأر من أهالي تكريت، وبالأخص من عشيرتي البوعجيل والبوناصر وهما من كبرى عشائر المحافظة، المتهمتان من قبل بعض السياسيين بانتماء قتلة سبايكر إليهما، دون ظهور أي تقرير رسمي يثبت الأمر، رغم مطالبات جهات عدة بذلك.

تناقلت وسائل إعلام إيرانية أيضا في سياق تغطية العملية، مجموعة من الفيديوهات لما تقول أنها عمليات إطلاق صواريخ نفذتها “المقاومة الإسلامية” المتمثلة تارة بكتائب حزب الله، وتارة أخرى بسرايا الإمام وغيرهما. وهو ما يؤشر على هامشية الأجهزة العسكرية الرسمية للدولة أمام ميليشيات طائفية ولاؤها المباشر لطهران. يشهد وجودها، على كون “الدولة” في العراق مجرد غطاء ينظم ويشرع عملها ويعمل وفق عقيدتها وعناوينها ويجند الأهالي ضمنها.

باتت تلك الميليشيات تتحكم بكل المؤسسات، وتفرض إرادتها على الوزارات الحكومية وتتحكم بها، وترفع راياتها الحزبية وصور قادتها فوق أبنيتها، بحيث أصبح لكل وزارة جهة ميليشياوية تهيمن عليها وتتحكم في التعيينات وتتدخل في توزيع المناقصات والمقاولات للمشاريع التي غالبا ما تُنهب مخصصاتها المالية.

من التجني على مفهوم الدولة، أن نطلقه كتعبير دلالي على حالة الحكم في العراق، كما هو الأمر مع تنظيم داعش الإرهابي الذي يعلن نفسه دولة، فكلا الحالتين متشابهتان من حيث أنها ميليشيات عنفية طائفية ثأرية وعدمية، تتمتع الأولى بطابع رسمي تضمنه لها سجلات الأمم المتحدة والتعريفات القانونية، بينما الثانية تطلق على نفسها اسم الدولة دون أن تكون لها تلك الاعتبارية.

ومن سخرية التاريخ أن تكون لداعش ملامح “دولتية” أوضح من التي تتمتع بها “الدولة” العراقية الرسمية، فلداعش أجهزة تحتكر ممارسة العنف وعمليات الضبط الاجتماعي، وتعبر عنها راية واحدة و”خليفة” واحد ومنهج واحد.

بينما نجد “الدولة” العراقية، تدار من قبل المافيات السياسية والمالية والميليشياوية المتباينة الرؤى، ومعظمها تدين بالولاء لدولة أجنبية، وكما داعش، تفرض تلك الميليشيات قوانينها على الناس في كل حي أو بلدة تتواجد فيها، تحدد بموجبها السلوكيات الاجتماعية التي تتطابق مع تصوراتها الدينية، غير آبهة بنظم القانون والدستور.

أما عن الثأر فهو العقيدة والأيديولوجيا التي تشكل البنية الفكرية “للدولة” العراقية وميليشياتها، وتشترك فيه مع داعش، الذي قتل منتسبي قاعدة سبايكر، بداعي الثأر لمظلومية أهل “السنة”، بينما باتت “دولة” الميليشيات العراقية تطلق عناوين الثأر بشكل رسمي عبر المسؤولين الحكوميين، بعد أن كانت تطلقه وتمارسه منفردة في المناطق التي تفتكها من أيدي “دولة” داعش، الأمر الذي سيوسع عملياتها الثأرية، مما يجعل كل إنسان في تكريت وغيرها، هدفا للثأر الذي تستعد ميليشيات العصائب وبدر وسواها القيام به. هذا التماثل بين عصابات داعش التي تحاول تثبيت شرعية تاريخية لدولتها، وبين الميليشيات الطائفية في العراق التي تعمل بشرعية من “الدولة” العراقية المعترف بها دوليا، إضافة إلى شرعية دينية من ملالي إيران، ليس غريب الحدوث، بقدر ما هو مآل حتمي في بلاد تهيمن عليها طبقة مافيوية تابعة تنتمي لأدبيات إسلاموية طائفية.

بُعد تلك الأحزاب عن أي منطق “دولتي” أو “تعاقد اجتماعي” حديث، لن يفضي إلا إلى سلطة على الشكل العراقي الراهن والذي فاق بخصوصيته كل النماذج الفاشلة، ولم تعد مقارنته تصح لا مع لبنان ولا حتى مع الصومال، ولعل وجود “دولة” داعش التي تجاوره ويصارعها ليس مصادفة تاريخية.

يقول كاتب عراقي ساخر ليست الطيور فقط إنما الجيرة على أشكالها تقع، ويضيف، “على الدولتين المتجاورتين إقامة علاقات دبلوماسية فيما بينهما، لأن الدول التي تنتمي إلى نفس العقلية والنظام، تشد إحداهما الأخرى، وتتبادلان شرعية الوجود”.


كاتب عراقي

9