في العزل الصحي.. توتر ورعب وانهيار يخففها تعايش الأطباء مع الوباء

كل طبيب أو ممرض يقوم بدور المعالج النفسي مع زميله لإخراجه من حالة الاكتئاب بسبب كورونا.
الأحد 2020/05/17
لا تستسلم

محمد حسنين

القاهرة – الحصول على تصريح من وزارة الصحة المصرية بدخول المكان كان أقرب إلى المعجزة، وبعد تسلم قائمة طويلة بمعايير السلامة الصحية لتجنب الإصابة بالفايروس داخل المستشفى، لا مجال للتهاون أو الاستخفاف.

كان يُفترض مصاحبتي لمحرر صحافي أثناء الزيارة، لكن جاءت النصيحة الطبية بضرورة ابتعاده عن المكان لضعف جهازه المناعي، وقررت خوض المغامرة منفردا، لكن ما خفف من وطأة الخوف، ذلك الاستقبال الهادئ من الأطباء والممرضات، حيث ظنوا أنني ذهبت لإجراء فحوصات كورونا.

ويعتقد كثيرون أن الأطقم الطبية يقتصر دورها على العلاج أو إجراء الفحوصات للمشتبه في إصابتهم بالفايروس، لكن الأجواء في مستشفيات العزل الصحي، تعكس أنهم تحملوا مشقة القيام بعلاج نفسي لكل من يتردد على المكان، لأن هذا الإجراء بنظرهم هو الخطوة الأولى للتعافي.

ويخيم الصمت داخل مستشفى العزل، ومن حضروا لإجراء فحوصات لا يكفون عن الحديث بصوت خافت، ويتوسلون إلى الله سماع نبأ أن العينة سلبية، والأطباء يصعب أن تسمع أصواتهم من كثرة الماسكات التي تحمي وجوههم.

قال (م. ع)، وهو شاب ثلاثيني جاء للاطمئنان على صحته بعد ارتفاع درجة حرارته لـ”العرب”، إن مستقبله الوظيفي يتوقف على العينة، بعدما تم إبلاغه بأنه لو كانت نتيجة الفحص إيجابية فعليه أن لا يأتي إلى العمل.

جلس الشاب في الغرفة المخصصة لسحب العينة وعلى وجهه علامات الانهيار، حتى جاءت الممرضة والابتسامة تكسو وجهها لتطمئنه  وتبلغه بأنه حتى لو كانت النتيجة إيجابية فنسبة شفائه مرتفعة، لأنه شاب وجهازه المناعي قوي ويتحمل الدخول في مواجهة شرسة مع الفايروس.

ولم تظهر على الشاب ملامح الطمأنينة عند سحب العينة، وكانت لحظة فارقة في حياته، لا يفكر في الألم الجسدي بقدر ما يركز في ما بعد صدور النتيجة، وماذا بعد، فإن لم يكن الموت مصيره سوف يكون التنمر المجتمعي.وكان التقاط الصورة مع هذا الثلاثيني عملية شاقة للغاية، خشية الفضيحة وهو نفس مبرر والده حيث قال “قد تكون الصورة سببا في رفض الفتيات الزواج منه، أو تعامل الناس معه بطريقة غير إنسانية”.

عبء آخر يضاف إلى الأدوار الطبية والنفسية والإنسانية
عبء آخر يضاف إلى الأدوار الطبية والنفسية والإنسانية

ولم تكن تبريرات الابن وأبيه استثناء، بل حالة عامة تسيطر على المترددين على مستشفى العزل، فالجميع يخشى الوصمة الاجتماعية من كورونا ربما أكثر من الإصابة بالفايروس، ما فسرته إحدى الممرضات بأن “النبذ المجتمعي لمريض كورونا، أو المشتبه في إصابته جعل بعض حاملي الوباء يرفضون الذهاب للمستشفى حتى لو ظهرت عليهم أعراض”. قد تشعر لوهلة أن الطمأنينة التي تكسو ملامح الأطباء والممرضات في مستشفى العزل مصطنعة أو أن أحدهم مصاب ببلادة في الإحساس، لكن التعايش مع الوباء جعلهم ينسون أنفسهم وحياتهم الشخصية والعائلية ويركزون مع المرض وحامليه، ومع الوقت استطاعوا الانتصار على حالة الرعب التي كانت تسيطر عليهم في بادئ الأمر.

قالت إحدى الممرضات، وتدعى نسمة لـ”العرب”، إنها تعمل يوميا لأكثر من 20 ساعة، ما جعلها تتعايش مع المرض بشكل روتيني ولا تخشاه، لكن تحترم مخاطره. ولا ينكر البعض إصابتهم بحالة اكتئاب نتيجة الابتعاد عن الأسرة لفترة طويلة، لكن عندما يدخلون على المريض المصاب يرمون همومهم خلف ظهورهم ويبتسمون ويتحاورون بهدوء.

وأضافت نسمة، وهي تتسامر مع بعض زميلاتها، في محاولة للتخفيف عنهن وطأة الضغط النفسي، أن “كل طبيب أو ممرض يقوم بدور المعالج النفسي مع زميله لإخراجه من حالة الاكتئاب، بالتحدث في أي شيء بعيدا عن كورونا”.

وإن لم يُصب أحدهم بحالة نفسية سيئة، يكفي أن يتواجد في مكان أقرب إلى السجن، فلا مصادر للتهوية، ولا مجال للتخفيف من الملابس العادية وما يعتليها من ملابس وقائية تصب على أجسادهم العرق طوال اليوم، فالمكان محكم الغلق من كل الاتجاهات والنوافذ، خوفا من تسرب الوباء عن طريق الهواء.

أمام هذه الأجواء الصعبة، يكون الأطباء والممرضات والممرضون ملزمين إنسانيا بالتخفيف عن المرضى وأسرهم، خاصة أن أهل كل محتجز يطمئنون عليه من خلال الاتصال بهاتف ممرضة أو طبيب لمعرفة حالته الصحية، وهو عبء آخر يضاف إلى الأدوار الطبية والنفسية والإنسانية التي تقوم بها الطواقم الطبية.

وقالت الممرضة عبير، إن “أطقم الأطباء والتمريض في مستشفيات العزل يعانون من الرعب الذي يصاب به من يحملون أعراض كورونا، لأن المصابين بالمرض حالاتهم النفسية متدهورة ما يفرض عليهم التعامل بطابع إنساني ونفسي في المقام الأول، لأن ذلك أحد أهم مقدمات انتصار الجسد على الفايروس”.

الشيء الوحيد الذي يمكن اكتشافه بسهولة، هو التعب الذي يظهر على الأطباء والممرضات، فقد تجد واحدة تتكئ على الحائط أو تجلس لبضع دقائق لتستريح من مشقة العمل، لكن بعد لحظات تنهض سريعا، وتذهب حيث تمر على الغرف التي تتابع فيها المرضى، فلكل ممرضة مجموعة من المصابين مسؤولة عنهم منذ دخولهم المستشفى.

ويظل العبء الأكبر أن المرضى لا ينعزلون وحدهم في غرف مستقلة، لكن الأطباء والممرضات أيضا يدخلون في عزلة بعد أسبوعين من العمل المستمر، حيث يتم وضعهم في غرف لاختبار مدى إصابتهم من عدمه، وإذا سُمح لهم بالعودة إلى منازلهم لا يختلطون بأحد حتى أولادهم ثم يعودون للعمل مرة أخرى، ويستكملون رحلة التعايش مع الوباء.

21