في اللقاء الخاص

إن كل جواب للسياسي عن سؤال، يُنتج عند الكاتب سؤالا جديدا. الأول مضطر لأن يجيب للحفاظ على دوره وتبريره، والثاني من واجبه صياغة الأسئلة بمضامينها الدالة ومرجعياتها، لكي يحمي السياسة من الفشل.
الأحد 2021/01/31
المجتمعات المأزومة بحاجة إلى أصوات تخوض لمصلحتها معركة الحقوق

كنت مساء الجمعة، على شاشة القناة الفلسطينية “الكوفية”، وكانت الانتخابات العامة في الضفة وغزة هي مناط الحديث. قبل موعد وصولي إلى غرفة “اللقاء الخاص” بأربعين دقيقة، كنت على بُعد مسافة تلزمها ساعة للوصول، لكنني اضطررت إلى انتظار أحد العمال لكي ينتهي من عمل يؤديه في منزلي، فتأخرت عن التحرك. وطوال مجاهدة الزحام على الطريق، سألت نفسي كما في كل لقاء عددا من الأسئلة: بأي نوع من الكلام أتحدث، وقد استعصت على الأطباء النطاسين، معالجة الجلطة السياسية الفلسطينية؟ وماذا تبقى لنا من سلطة اللغة التي استحوذ عليها الخطاب السياسي، وقد بات فيه للحدث الواحد، في المشهد الواحد، رؤى متعددة، واتسعت هوامش التأويل، بينما أعمار الجراح تطول، ويحتدم جدل الحقائق التاريخية وجدل الفكر، مثلما عبّر الفيلسوف الألماني هيغل في القرن التاسع عشر، وهو يحاول الموازنة بينهما.

في مثل هذه اللقاءات، يحاول المتحدثون المعنيون بإنصاف شعوبهم، رسم صورة حقيقية للواقع، على الرغم من كون اللغة، التي هي أداة مطلقة في الحياة والوجود، تتحول في السياسة إلى قيمة مقيدة، والتأويل فيها يتقلص ويتمدد حسب إملاءات اللحظة، وقد تزيدها الفصاحة غموضا بينما المصارحة بالحق والمساءلة فيه والمخاصمة عليه هي الأوجب.

القاصرون في إدارة السياسة، هم أنفسهم القاصرون في إدارة فن الكلام. والمعلقون المختصون في الثانية، الزاهدون في الأولى، يفتشون في كل مرحلة، عن اللغة التي تناسب الحدث في سياقاته المُضنية، لكي يستهدوا إلى الطريق الصحيح لتفكيك الخطاب السياسي المخادع، في كل أنساقه المُريعة. ففي الأرجاء، تتفشى صناعة التخييل وتلفيق الحقائق وذر الرماد في العيون. والمعنيون بالحقيقة، يختارون تحدي جدران الصمم السميك. وهؤلاء، لاسيما الذين يراقبون المشهد من بعيد، يرصدون الظواهر الكبرى الممتزجة مع توالي الظواهر الصغرى!

إن كل جواب للسياسي عن سؤال، يُنتج عند الكاتب سؤالا جديدا. الأول مضطر لأن يجيب للحفاظ على دوره وتبريره، والثاني من واجبه صياغة الأسئلة بمضامينها الدالة ومرجعياتها، لكي يحمي السياسة من الفشل، ويحمي نجاحها من الغطرسة.

عند الوصول إلى غرفة اللقاء، والبدء فيه سريعا، قفزت إلى ذهني فكرة أن الناس قد سئمت الخطاب السياسي الفصيح، ولم يعد يروق لها سوى الخطاب التلقائي الحميم، الذي يصارح بأقصى ما يستطيع، وبخاصة عندما يتسم بملمح عاطفي تلقائي أيضا، معطوف على عاطفة الناس، ولا يكترث لحسابات السلطة، التي لا تكترث بدورها لشقائهم، ثم تحاول في المناسبات الانتخابية، استمالتهم وإجزال الوعود لهم بالحياة السعيدة. لكن المجتمعات المأزومة بأفاعيل فاعلين، بحاجة إلى أصوات تخوض لمصلحتها معركة الحقوق التي تريد استعادتها أو إحرازها، مع الباطل الذي ينكرها ويجعلها من الأمنيات البعيدة.

24