في المسرح.. الوهم ليس صورة للحقيقة الغائبة

كل متلق لمسرحية معاصرة سيجد صوتا ما يتكلم داخله.
الاثنين 2020/11/16
التمثيل يتركب من منظومة علامات أيقونية

إن تجربة الفرجة في المسرح المعاصر متعة متكاملة، فعلاوة على الانبهار أو التأثر، هناك التفكير الذي يقسم المتلقي إلى نصفين، نصف يشاهد ويتلقى العرض، بكافة عناصره، ونصف آخر يتساءل أو يبدي رأيه أو مشاعره أو فكرة أو انطباعا ما، في عمقه، وبالتالي فإن التلقي هنا لعبة لا تنتهي بتشرّب المشاهد، بل تفككها وتحللها وتنقد وتناقش.

 في تحليلها لعمل المتلقي في المسرح، ترى الباحثة المسرحية الفرنسية آن أوبرسفيلد أن المفهوم الذي يوضح المنظور المسرحي هو مفهوم النفي، حيث أن ما يراه المتلقي هو الواقع، لكن ليس حقيقيا، إنه يفرض نفسه عليه، ولا يوصله إلى الحقيقة، وإلى الطريق الذي يسير العالم صوبه، ويستطيع أن يسلك فيه طريقه.

يرتبط مفهوم النفي عند أوبرسفيلد بعملية التخيّل، ويحيل في الوقت نفسه على مفهوم آيزر، الذي يشير إلى قيام المتلقي بعملية استبعاد عناصر التحديد الواقعية “الحاضرة” في نص ما، واستعادة العناصر المستبعدة (مواقع اللاتحديد، الفجوات) عن قصد من بنيته، وعلى عملية كسر الوهم، أو إبعاده في نظرية بريخت، وتحليلات فرويد، وسيميوطيقا بيرس. ويعتمد على ما تسميه بـ”المحذور الملموس” وهو غزو الفراغ المسرحي بالنسبة إلى المتلقي، والمساس بالأشياء والكائنات الموجودة فيه.

النفي والاسترجاع

 لا يعدو أن يكون النفي في المسرح، كما ترى أوبرسفيلد، هو الحدث المؤسس، وأن الخيال المسرحي، أو ما اتفق على تسميته هكذا، يشكل وجها آخر له، وإلاّ لما استطاع المسرح أن يؤدي عمله بالنسبة إلى المتلقي.

إنه النفي، أو بعبارة أخرى فإن تجرد الواقع الحالي على المسرح من قيمته الحقيقية ليصبح سلبا، ليس معناه أنه هنا مع أنه غائب، وتصبح العلاقة سلبية.

وتذكر أوبرسفيلد، في هذا الصدد، أن التحليلات الرائعة لأوكتاف مانوني في كتابه “مفاتيح الخيال” تشير، بطريقة قاطعة، إلى الخيال المسرحي عند المتلقي، وتحمل في طياتها معنى النفي.

النفي في المسرح هو الحدث المؤسس والخيال المسرحي أو ما اتفق على تسميته هكذا فيشكل وجها آخر له

 وتتلخص المسألة الرئيسة للنفي المسرحي، من وجهة نظرها، في قدرة المرء على التمييز، وذلك استنادا إلى مقالة فرويد حول النفي، وهي “البعد اللاواعي للإنكار”.

ويظهر أثر بريخت، بشكل واضح، في مناقشة أوبرسفيلد للقانون الغريب المعروف بـ”لذة التفوق الوهمي” حين تقول “إنه شيء رائع أن يبدو كل شيء كأنه حقيقة، وينبغي عليّ أن أعرف، بوصفي مشاهدا حذرا، أن ذلك ليس حقيقة”.

ولتوضيح ما تذهب إليه أوبرسفيلد في هذا القول أستحضر مثالا واحدا من المواقف الكثيرة التي توهم المتلقي بأنها حقيقة في نصوص بريخت المسرحية، وهو تعامل “بونتيلا” مع سائقه “ماتي” تعاملا طيبا حينما يكون ثملا، إذ يجري نفي واقع الاستغلال الذي يمارسه الأول على الثاني في الظاهر (الوهمي)، وعلى المتلقي أن لا ينخدع بذلك الوهم لأنه ليس صورة للحقيقة الغائبة التي يجب أن يستحضرها من خلال عملية النفي والاسترجاع.

تربط أوبرسفيلد بين مفهوم النفي والطابع الأيقوني للعلامة المسرحية، مشيرة إلى أن الكرسي في المسرح، مثلا، هو كرسي حقيقي، ولكنه ليس كرسيا من “العالم”، ولا يمكننا أن نجلس عليه، وأن الجماد في المسرح يخضع للنفي ولا يخضع له في آن واحد، وأن الممثل هو شخص يؤدي دورا فنيا
حقيقيا، يستقبله الجمهور في الوقت الذي يقدم فيه نشاطا خياليا، وينفي ذلك الخيال أن الممثل رجل يتفرغ لأداء دوره على خشبة المسرح، أولا، ويحتسي، مثلا، الشوربة (حقيقة أو خيالا) ثانيا.

أوبرسفيلد تهدف من بحثها إلى توضيح رفض الطابع الأيقوني "التماثلي" للعلامة المسرحية، وتحطيم واقعية العرض المسرحي

 وتعد العملية الثانية، في الوقت ذاته، لعبة عرض ونشاط حقيقي، ويكون المتلقي منقسما دائما بين إدراك النشاط الفني ورأيه فيه من جهة، ومن جهة أخرى إدراك أيقونة شيء ما يقع في مكان بعيد، فيتغلغل الانفساخ في نفسيته بين ما يقبله كحقيقة، وشيء آخر حقيقي، لكنه لا يقبله، في حين يكون ذلك الشيء هو العلامة المسرحية ذاتها.

وتهدف أوبرسفيلد من ذلك إلى توضيح رفض الطابع الأيقوني “التماثلي” للعلامة المسرحية، وتحطيم واقعية العرض المسرحي، أو المحاكاة، والتقليل إلى أقصى درجة من الأداء الأيقوني. ولكن هذه مشكلة عويصة في كل الفنون الأدائية، من وجهة نظري، مقارنة بقدرة الفنون الأخرى (كالموسيقى، والرسم، والنحت) على حلها ببساطة، فالممثل مهما حاول أن يبتكر أشكالا من الأداء الجسدي والصوتي (الانفعالات، الايماءات، الحركات، والتنغيم الصوتي… إلخ) تختلف، أو تنزاح عن تعبيراته الجسدية والصوتية الطبيعية المألوفة في خلوته مع نفسه، أو في تواصله مع الآخرين في الواقع، لن يكون بمقدوره الإفلات من محدودية الاختلاف بينهما.

 ولذا فإن الممثل، رجلا أكان أم امرأة، لا يملك، كما تقول أوبرسفيلد، إلاّ أن يكون الصورة، والنموذج لرجل آخر، أو امرأة أخرى. وهذا في اعتقادي ما يفسر توكيد السيميائية دائما على أن التمثيل يتركب دائما من منظومة علامات أيقونية، وإذا ما حمل علامات إشارية أو رمزية فهي نادرة، وتكون مقصودة في أغلب الأحيان.

وعلى العكس من التمثيل، يمكن أن يغلب الطابع العلاماتي الرمزي، والإشاري على العناصر الأخرى في المسرح.

وترى أوبرسفيلد أننا كلما حاولنا إزاحة الشكل الواقعي، أو الأيقوني للأداء ضقنا في نطاق النفي، وربما يكون في ذلك تحديد الأثر النفسي على خشبة المسرح، واختصرنا دور المتلقي إلى تأمل النجاح، إذ أن أصالة تطور الإحساس على المسرح تتمثل في حركة ذهاب وإياب فورية بين معرفة الصورة، أولا، والتمييز بين الخيال والنجاح، ثانيا.

انقسام المتلقي

صورة

أخيرا، إن ما يتيحه النفي للعرض المسرحي، هو توظيف التصورات التخيلية الخادعة، ما دام تمييز الحقيقة أصبح مرفوضا، فأنا/ المتلقي أستطيع الحديث، في اللحظة نفسها، مع الممثل/ الشخصية، وترديد أقواله، إذ لست أنا الذي أتحدث، بل ثمة من يتكلم، شخص موجود، أولا، والممثل لا يتحدث بأقواله، بل ثمة شخص غائب، ثانيا.

ويرتبط هذا الافتراض عند أوبرسفيلد بأدوار المتلقي ونظرية الاتصال المسرحي، فثمة من يتحدث على خشبة المسرح، وهو كائن إنساني له شخصية مزدوجة: شخصيته الذاتية كممثل، والشخصية الأخرى التي يؤديها، ويكون اهتمام الممثل، في مهنته ممثلا، متجها صوب المتلقي، ويشترك معه في مشاهدة الممثلين الآخرين، وبقية المتلقين.

وبالمقابل فإن للمتلقي صوتا داخليا (الأنا) يجيب على صوت الممثل، وتتشكّل من هذه الازدواجية المعادلة الآتية: الأنا/ المتلقي – الممثل/ الشخصية، ومع الخيال تتعقد الأشياء، فيجري الخلط بين: الأنا/ شخصية – أنت شخصية أخرى – هو المتلقي. لكني أرى أن هذه الازدواجية، في ما يتعلق بالمتلقي خاصة، أقرب إلى الافتراض المجرد منها إلى الحقيقة.

 فإذا كان أداء الممثل لشخصية غير شخصيته الحقيقية هو من طبيعة عمله ممثلا وهو قدره، ومن ثم تغدو الإشارة إلى ثنائية الممثل/ الشخصية أمرا مفهوما، فإن انقسام المتلقي إلى ذات داخلية متكلمة/ ذات خارجية (تلعب دور الشاهد) أمر لا يمكن التسليم به، وإلاّ أصبح جميع المتلقين في المسرح مصابين بالشيزوفرينيا!

15