في المشترك والمختلف بين هوكني والمدرّس ودرويش

لحظة عابرة صنعت الفنان عصام درويش وعمّقت مجد سوريا الفني.
الجمعة 2020/01/24
عمل للفنان عصام درويش.. فن تجميد المشهد

هل تصنع لحظة عابرة الفنان؟ يبدو كذلك، خاصة عندما يكون هذا الشخص على ثقافة عالية وذوق رفيع يؤهلانه لالتقاطها. عصام درويش تصيّد اللحظة العابرة، قبل أن يدخل باب الاحتراف، كان لعمل الفنان البريطاني، ديفيد هوكني، المعنون “السيد والسيدة كلارك برفقة القط بيرسي”، تأثير السحر على مستقبله الفني. لم يكن التأثير في الأسلوب والتقنية، وإنما في طريقة التعامل مع الفن بصفته حالة ثقافية واجتماعية. ما بدأ بلمحة مع هوكني، استمر بعلاقة طويلة بين درويش والفنان المعلّم، فاتح المدرّس؛ علاقة لم يفرض فيها المعلم على التلميذ أسلوب عمله أو تقنياته.

بداية، دعونا نتفق؛ عصام درويش لا يسير على خطى الفنان البريطاني ديفيد هوكني. تماما كما لم يسر على خطى أستاذه الفنان السوري، فاتح المدرّس، الذي أطلق عليه تحبّبا وامتنانا لقب المعلم.

هل ضاعت السنوات الخمس، التي قضاها درويش طالبا في كلية الفنون الجميلة في دمشق هباء؟ فأنت لن تجد في أعمال الفنان ما يوحي بأنه تأثر بأي من الفنانين الرواد الذين درس الفن بإشرافهم، أحيانا يطل بعضهم من خلال عمل له؛ مؤكد أن نذير نبعة، يحضر بهدوء من حين لآخر.

ولكن أين المعلم فاتح المدرّس الذي ربطته بتلميذه درويش علاقة مميزة، لم يحاول فيها المدرّس أن يفرض خياراته على أسلوب درويش في العمل أو على تقنياته، وبقدر بعد المسافة التي فصلت التلميذ عن أستاذه فنيا، بقدر ما حضر التقارب. ما جمع الاثنين معا هو عملية الإبداع الفني، علاقة لا غالب فيها ولا مغلوب.

كما المعلم، كما التلميذ، أخلص كل منهما لأسلوبه، وإن تبدّل من فترة إلى أخرى، إلاّ أن وحدة غريبة ظلت تربط أعمال كل منهما.

رمزية اللوحة

لوحة ديفيد هوكني.. عابرة ولكنها مؤثرة
لوحة ديفيد هوكني.. عابرة ولكنها مؤثرة

ما حدث ويحدث في سوريا، غيّر من عصام درويش، وانعكس ذلك على أسلوبه وعلى خياراته التقنية، مالت الألوان إلى القتامة، واختفت مساحات الفراغ في اللوحة، وأصبح التكوين كما لو أنه ملتقط من خلال عدسة مقربة (كلوز آب)، في خيار درامي واع، يظهر رغبة الفنان في التأكيد على الملامح. مقدّمة فرضت نفسها لنؤكد مسبقا أن العلاقة الخفية بين درويش وهوكني، وبين درويش والمعلم فاتح ليست علاقة نقل أو تقليد.

وكما يصعب تصنيف الفنان ديفيد هوكني ضمن أسلوب أو مدرسة، يصعب أيضا تصنيف أعمال عصام درويش. وإن أبدى البعض ميلا للحديث عن رمزية تطبع أجواء اللوحة عند الاثنين.

هذا الإحساس سببه الأساس أن كليهما يلجأ إلى تجميد المشهد. ولكن، أليس كل فنان يقوم عادة، كما المصوّر، بتجميد المشهد؟

اختيار عناصر اللوحة وترتيبها ضمن الفراغ هو ما يضفي الإحساس العميق بالرمزية في أعمال درويش التي قد يختار البعض أن يطلق عليها سريالية.

شد انتباهي، في نهاية السبعينات من القرن الماضي، صورة بالحجم الكبير معلقة بالمركز الثقافي الفرنسي في دمشق، هي صورة لوحة لفنان بريطاني لم يسبق أن سمعت باسمه من قبل. شيء ما في اللوحة جذبني، لم أدركه حينها، أو بالأحرى لم أبذل الجهد لأحلله.

الصورة نفسها استوقفت عصام درويش، لا أقول إنها أسرته، ولكن ما هو مؤكد أنها فتحت أمامه عوالم كان يجهلها عن نفسه.

بعد مرور أكثر من أربعين عاما على هذه الصدفة، لا أعتقد أن عصام درويش يتذكّر شيئا عن تلك اللحظة العابرة؛ كثيرا ما ننسى أحداثا عرضية في حياتنا، تغيب عن ذاكرتنا، ورغم ذلك تترك داخلنا أثرا لا يمحى.

علاقة درويش مع المعلم فاتح المدرّس علاقة من نوع آخر، علاقة واعية يتذكر الفنان كل تفاصيلها، فاتح المدرّس لم يعلم تلامذته يوما تقنيات الرسم، بل علّمهم إن هم أصبحوا فنانين أن يكونوا متميّزين، يصعب ترويضهم. وهذا ما كان.

بعيدا عن الربح

عصام درويش وديفيد هوكني.. تجربة المشترك فيها هو الإبداع
عصام درويش وديفيد هوكني.. تجربة المشترك فيها هو الإبداع

استطاع درويش أن يصبح فنانا مميزا، لا يشبه أحدا. هناك فنان يشجعك أسلوبه على تقليده، نذكر بول سيزان مثالا على ذلك. لقد تحدّى سيزان أن يأتي فنان من بعده يتخطى قوة تأثيره؛ حدث ذلك، وعلى مدى عقود، لم يأت فنان إلاّ وتأثر بأسلوبه.

لا حاجة للإطالة في الحديث عن قيمة عصام درويش الفنية، فهو اليوم قيمة ثابتة لا جدال حولها. هناك جانب آخر لدرويش لا يقل أهمية عن قيمته كفنان، فعصام صانع للنجوم، ورجل علاقات من الطراز الأول، استثمر مواهبه في رعاية أجيال من الفنانين الشباب، ولا نغالي إن قلنا إنه ساهم في التعريف الإيجابي بالحركة الفنية في سوريا. لم يكن حلم عشتار، صالة العرض التي افتتحها في دمشق، مجرد مشروع تجاري لتسويق أعمال الفنانين وتحقيق الربح، بل كانت أبعد من ذلك، إنها مشروع للتباهي والتفاخر بالتجربة الفنية في سوريا.

قدرة عصام على الاحتفاء بتجارب الآخرين، تضاهي قدرته على الاحتفاء بنفسه، وهذا لا يصدر إلاّ عن معلمين كبار. ومن هذه الزاوية فقط أريد أن نحتفي بعصام درويش المعلم، فقط هو جدير بهذا اللقب بعد المعلم فاتح المدرّس.

قبل أن أختتم ما بدأته حول الفنان، قفزت أمامي على صفحة فيسبوك، مشاركة للفنان يتأمل لوحة رسمها لثلاث أزهار توليب، تلخّص الكثير من سحر درويش، فما اعتاد على تسميته النقاد لوحة صامتة، والبعض أطلق عليه لوحة جامدة، حوّله درويش إلى لوحة حية، أزهار التوليب فيها ليست فقط كائنات تتنفّس، بل تفكّر وتعشق.

ليس أجمل من مقال يختتم بكلمات المعلم عصام درويش، في مشاركته التي قفزت أمامي منذ لحظات “لا يمكنكم أبدا أن تصبحوا فنانين دون عمل مثابر ومجهد ويومي. طبعا يمكنكم أن تتمتّعوا بقدر من الثناء والإعجاب والدغدغة. ولكن إن أردتم أن تصبحوا فنانين جيدين فعليكم بالعمل دون هوادة أو تذمّر، وإذا كنتم تملكون الموهبة أيضا فستصبحون فنانين جيدين. ولكن لا أحد يمكنه العمل بدلا عنكم لتصلوا إلى تلك المرتبة، أؤكد لكم”.

من ساواك بنفسه ما ظلم. نصيحة يقدّمها المعلم لجيل شاب يطمح للسير في درب الفن التشكيلي، صنعت من عصام درويش الفنان الذي نعرفه اليوم.

17