في المعضمية.. رحيل واختباء مقاتلين سابقين خشية من التجنيد الإجباري

الجمعة 2017/08/11
أين المفر من ويلات الحرب

بيروت - سلّم الجندي المنشق أبومحمد سلاحه في إطار اتفاقية المصالحة التي أبرمتها مدينته الأم، المعضمية، في العام الماضي عقب مشاركته في القتال ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وآثر بعد ذلك الهرب إلى تركيا بعد أن أبلغه الجيش السوري بضرورة الالتحاق بصفوفه من جديد، وخشي أن يكون مصيره الموت وهو يقاتل حلفاءه السابقين في الجماعات المسلحة المعارضة للنظام أو تنظيم الدولة الإسلامية.

وقال أبو محمد (27 عاما) لرويترز في مقابلة على الهاتف من تركيا “ملينا من الحرب وملينا من الدم”، مشيرا إلى أنه “وافق في المرحلة الأولى على التسوية التي نصت عليها اتفاقية المصالحة بين المعضمية التي كانت معقلا لفصائل المعارضة المسلحة حتى العام الماضي والحكومة السورية”.

وتلقى حينها تطمينات بأن اتفاقية المصالحة في المعضمية ستعفيه من الخدمة العسكرية على الجبهة. وقال “هذه كانت وعود النظام لنا وعلى هذا الأساس ظللنا بالبلد”.

لكن أبومحمد علم في الربيع أن الرجال الذين التحقوا من المعضمية بالجيش لم يخدموا في المنطقة المحيطة بها بل انضموا للقتال ضد مقاتلي المعارضة. وتشابهت رواية أبي محمد مع رواية مقاتل سابق في صفوف المعارضة من المعضمية.

وقال المقاتل السابق الذي رفض الكشف عن اسمه إن المنشقين من المعضمية يتم إرسالهم إلى الجبهات في انتهاك لوعود شفهية نقلها إليهم أعضاء لجنة المصالحة المحلية التي تضم مسؤولين ووجهاء من البلدة.

ورفض وزير المصالحة الوطنية السوري علي حيدر أي اتهامات للحكومة السورية بعدم الوفاء بتعهداتها، معتبرا أن “هذا ما تحاول ترويجه الدول والمجموعات المسلحة المنزعجة من مشروع المصالحة”.

وأضاف أن “العديد من المسلحين الذين تمت تسوية أوضاعهم في داريا والغوطة وقدسيا والمعضمية وسابقا في مدينة حمص والقنيطرة ودرعا التحقوا بالخدمة العسكرية أو انضموا إلى القوات الرديفة وسقط منهم شهداء في جبهات القتال ضد الإرهاب”.

وقال مصدر دبلوماسي إن الخوف من التجنيد العسكري شكل نقطة خلاف رئيسية في المصالحات المحلية مما أسهم في تشجيع السكان على الانتقال إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في شمال سوريا في خطوة وصفها معارضو الأسد بأنها سياسة نزوح قسري.

المعارضة السورية تعتبر رحيل المقاتلين وعائلاتهم نزوحا قسريا

وفتحت الحكومة ممرا آمنا للآلاف من المسلحين والمدنيين ممن اختاروا الخروج من المناطق التي سيطرت عليها قواتها بعد إبرام اتفاقيات مصالحة.

وأكد المسؤولون السوريون أن للسكان حق اختيار البقاء أو المغادرة، مشددين على أن الاتفاقيات تهدف إلى ضمان الأمن في هذه المناطق واستعادة خدمات الدولة وهيبتها إلى المناطق التي عادت إلى كنفها.

وأبرمت الحكومة السورية بعد سحق معاقل التمرد في كبرى المدن في غرب سوريا، اتفاقيات مصالحة مع الكثير من المناطق التي كانت يوما ما تحت سيطرة الفصائل المسلحة.

ووضعت هذه الاتفاقيات المتمردين أمام خيارين؛ إما سلوك ممر آمن إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في شمال البلاد وإما البقاء في مناطقهم وتسليم أسلحتهم والتعهد بعدم حمل السلاح مجددا في وجه سلطة الدولة.

ولفترة طويلة تشتّتت قوى الجيش السوري على جبهات القتال مما دفع الحكومة إلى الاعتماد بقوة على فصائل شيعية مدعومة من إيران في خضم قتالها لفصائل المعارضة المسلحة في غرب البلاد وتنظيم الدولة الإسلامية في شرقها. ما سمح لطهران بالتوسع بالمنطقة واستغلال الحروب بالوكالة لبث سياسة الفوضى وزرع الطائفية حتى تتمكن من بسط نفوذها في المنطقة.

ووسط هذه المعارك يخشى المنشقون الذين اختاروا العودة إلى كنف النظام أن يصبحوا وقودا في أتونها.

ففي حالة المعضمية، التي أبرمت فيها الاتفاقية في سبتمبر عام 2016، كان يفترض أن تقتصر الخدمة العسكرية لمن شملتهم التسوية على البلدة ومحيطها وفق ما أكدته مصادر دبلوماسية ومنظمات إنسانية، فضلا عن مسؤولين محليين شاركوا في إبرام التسوية.

وشهدت المعضمية بعضا من أسوأ أوجه الصراع خلال السنوات السبع الماضية مما ترك آثارا نفسية عميقة بين أبنائها. إذ كانت المنطقة هدفا لهجوم بالأسلحة الكيميائية عام 2013.

واتهم الغرب الحكومة السورية بشن الهجوم الذي استخدم فيه غاز السارين، لكن دمشق نفت أي دور لها فيه.

وأسفر إبرام اتفاق المصالحة المحلي في المدينة عن إجلاء المئات من المقاتلين وعائلاتهم إلى محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة في شمال البلاد، في حين قرر آخرون مثل أبي محمد البقاء وتسليم أسلحتهم.

وفي إطار المصالحة، عاد العلم السوري ليرفرف مجددا فوق المباني الرسمية في المعضمية وخففت السلطات الأمنية القيود التي كانت مفروضة على دخول وخروج الناس والبضائع من المدينة. وقال عدد من السكان وناشطون سابقون في صفوف المعارضة إنه لا توجد أي مظاهر مسلحة داخل المعضمية حتى من جهة أجهزة الدولة.

لكن المنشق الثاني السابق قال إنه وحوالي مئة آخرين من رفاقه يتوارون في منازلهم خوفا من تجنيدهم وإرسالهم إلى الجبهات. وقال المنشق الذي هرب من الجيش عام 2012 ورفض الكشف عن اسمه خوفا من اكتشاف أمره إن “المنشقين الآن عالقون داخل المعضمية. ولن يغادروها”.

وأشار إلى أنه تم استدعاؤه مؤخرا إلى اجتماع تلقى فيه المنشقون تهديدات بالاعتقال إذا لم يلتحقوا بالجيش. وقال “البعض منهم التحق والبعض لا”. وأضاف “فكرت في الرحيل لكن وضعي المادي سيء للغاية”، مشيرا إلى أنه سيتعين عليه دفع 2600 دولار أميركي لمهربين لنقله إلى خارج سوريا.

وإلى تركيا، هرب أبومحمد خوفا من الخدمة العسكرية بعد أن باع منزله في المعضمية لتغطية تكلفة الرحلة التي ساعده في إتمامها رفاقه السابقون في إدلب بشمال سوريا. ووفقا للنظام السوري تستوجب الخدمة العسكرية الإلزامية لمدة 20 شهرا على كل شاب سوري، غير وحيد لأبويه، عند بلوغ الثامنة عشرة.

وأوضح الوزير علي حيدر أن “التسوية تمنح المتخلف عن الخدمة العسكرية فترة زمنية لا تتجاوز ستة أشهر للالتحاق بموقع خدمته ما إن تتم تسوية وضعه القانوني ويمنح وثيقة بذلك”.

6