في المغرب، قاطرة التنمية تمر عبر الدبلوماسية الاقتصادية

الخميس 2013/09/26

ظل الانتعاش الاقتصادي هدفا وأولوية قصوى للمملكة المغربية والذي يقتضي عملا حثيثا ومتواصلا على كل المستويات من أجل تحقيقه، فالمعيار الاقتصادي يعتبر ورقة رابحة في عالم تطبعه الآن سوق معولمة ومفتوحة على جميع المتغيرات السياسية والاجتماعية والمالية بنسبة مهمة من المخاطر.

ولقد باشر المغرب دبلوماسية اقتصادية لما أحس أن النمو يمر عبرها ليكرس نفوذه عبر عدة محطات دولية وإقليمية لتعزيز تواجده وتقوية نفوذه في السوق الخارجية بفعالية وجلب الاستثمار الأجنبي بعد تهيء البيئة اللازمة والمساعدة ومن ضمنها تسهيل المسطرة وتعزيز جانب القضاء التجاري وتعميقه وذلك من أجل تحريك دورة التوظيف المباشر وغير المباشر.

لقد استوعبت المملكة المغربية بأن الدبلوماسية الاقتصادية يمكن استخدامها لزيادة تعميق الأمن الاقتصادي الداخلي، في ظل التراجع المفترض للمسافات كحاجز أمام التجارة وظهور فاعلين جدد في اللعبة العالمية، واستطاعت أن تكون بنك معلومات عن كيفية تحليل تغييرات قواعد اللعبة سياسيا واقتصاديا، وذلك باعتبار مركزية المملكة موقعا جغرافيا وتاريخيا واستراتيجيا وسياسيا بين عدة دول أوروبية وأفريقية وشرق أوسطية إضافة إلى القارة الأميركية.

هذا ما يجعل التحديات الدبلوماسية تتضاعف وبالخصوص تلك المتعلقة بالمجال الاقتصادي، حيث أن المغرب وسع من آفاق دبلوماسيته الاقتصادية حتى تكون المردودية مرتبطة بتحقيق التنمية المستدامة على كافة تراب مناطق المملكة، واستطاع في هذا الصدد إبرام عدة اتفاقيات للتبادل الحر مع كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدة دول شرق أوسطية، وتعتبر الزيارات التي قام بها العاهل المغربي مؤخرا إلى دول عدة في أفريقيا، وآخرها دولة مالي وقبلها تلك الجولة التي باشرها نحو دول خليجية زائد الأردن، وذلك لتركيز التواجد في هذه الجغرافيا كمنطقة حيوية للمملكة بتعزيز وتنويع مجالات التعاون المؤثرة إنسانيا وثقافيا وسياسيا ومن ضمنها الاقتصاد كقوة دافعة لأي تقدم وتطور.

الرسالة التي وجهها الملك محمد السادس في شهر أغسطس الماضي إلى ندوة سفراء المملكة كانت قد سطّرت الإطار العام للدبلوماسية المغربية في الدفاع وحماية المصالح الحيوية للمغرب من جهة، وجعل الدبلوماسية وسيلة لتحقيق التنمية المستدامة والتعريف بالمناخ السياسي المناسب والبيئة الاقتصادية والسياسية المستقرة لتسهيل دخول رؤوس أموال استثمارية من جهة ثانية، وذلك بالتركيز على التعاون الاقتصادي والسياسات الاندماجية على عدة مستويات وغالبا ما كان يتدخل الملك بقوة لتعديل أمور لم تستطع وزارة الخارجية تقويمها أو إبداع سبل الخروج منها، تدخل ملكي يكون دافعه الأساسي تفادي أي انفلات قد يمس بالمصالح العليا للبلاد.

تلك المصالح المهمة تحتاج دائما إلى أيادي لها دربة وحنكة في مباشرة الملفات الاقتصادية ذات الأهمية، وذلك بإدراج الدبلوماسية الاقتصادية في قائمة الأولويات لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون، والمطلوب هنا من هذه الوزارة بكل مصالحها الإدارية المركزية وعلى مستوى السفارات أن تضاعف من خبرتها بالبيئة الاقتصادية الدولية الحساسة لتقلبات السوق والسياسة، بالتالي لابد لدبلوماسيتنا من تكييف الأهداف والوسائل مع المتغير الاقتصادي ذي الأولوية القصوى حاليا. ونقر جميعاً بأن الملك دشن ببديهة ملفتة هذه الدبلوماسية الاقتصادية كإستراتيجية دولة تعزيزا وتوسيعا لثمار التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وحَثَّ السلك الدبلوماسي على تمثلها والعمل على مبناها تجاوزا للانشغالات التقليدية.

المملكة تولي اهتماما كبيرا للدبلوماسية الاقتصادية كهدف تتعزز وتتطور عن طريقه علاقات التعاون مع المنتظم الدولي، وهذا ما يظهر من خلال الحضور القوي للمغرب في عدة منتديات ومنظمات وورشات دولية كمنظمة التجارة العالمية، وعلى مستوى الاتفاقات الإستراتيجية مع عدة دول على الصعيد الإقليمي والدولي. على هذا الأساس نرى أنه من الضروري توجيه الاهتمام كذلك نحو بلدان فرص النمو فيها أكبر كمجموعة «بريكس» سعيا لإبرام عدة صفقات من شأنها أن تنوع الاستثمار في المغرب لإنجاح تلك الدبلوماسية الاقتصادية في مقاربة القضايا الوطنية الحساسة كملف الصحراء بأشكال متطورة توازي ما هو أمني نحو ما يعزز الاستثمار الاقتصادي في الأقاليم الجنوبية عبر عقود وتمويلات لمنشآت تخدم تنمية تلك الأقاليم وتساهم في استقرارها وأمنها.

جهود الملك محمد السادس والتعليمات الدائمة ذات الأولوية التي يوجهها للشبكة الدبلوماسية المغربية تصب في توسيع مفهوم الدبلوماسية الاقتصادية، حتى يتم تأقلم المغرب مع المتغيرات الدولية للمساعدة بأسلوب جديد يتمثل في كيفية تكوين شرايين متجددة لإنعاش التنمية والاقتصاد الوطني، بالاعتماد على أساسيات التبادل في المبادلات التجارية بين المملكة وعدة دول ومنها الاتحاد الأوروبي لتسويق النموذج المغربي الذي يتكيف مع السوق ويرسخ ثقافة الأمن والاستقرار كضمانة مهمة للاستثمار وزرع الثقة في الممولين الدوليين.

لا يخفى أن تعزيز الجانب الاقتصادي في الزيارات واللقاءات الوزارية وغيرها، سواء بالداخل أو على المستوى الدولي، يحتاج إلى تطوير العلاقات ما بين أدوات دبلوماسيتنا الموازية وكيفية ترويج مصالح المغرب الاقتصادية حسب خطة عمل تراعي وضع إجراءات متاحة وسهلة حتى تتيح للدبلوماسية الاقتصادية عرض تطلعات وانشغالات ومصالح المملكة بالاستعانة بشخصيات مرموقة دولياً من أجل مرافقة تلك الدبلوماسية.

هذا المسعى نرى أنه يتواكب مع إدخال المحتوى الاقتصادي كمنهج دراسي في برامج تعليم أعضاء السلك الدبلوماسي، وإدماج ذوي المؤهلات والكفاءات الاقتصادية في منظومة الوظيفة الدبلوماسية، إضافة إلى تعزيز الجانب الاقتصادي في دورات تكوينية تنظمها وزارة الشؤون الخارجية حتى يتم انفتاحها على كل ما يهم الاقتصاد والتنمية وإعطاء واجهة مشرفة للمغرب متفاعلة مع محيطه إيجابيا وذلك لتعزيز ثقة المستثمر حتى يضخ أمواله في بيئة يعرف مسبقا أنها محترفة وخبيرة في تسهيل مأموريته.


كاتب مغربي

9