في المنطق الصوري لفهم الثورة

الخميس 2014/02/13

يغلب على المثقف والسياسي السوري شعوره العارم بالضيق من كل ما يخص المنطق الجدلي والنظر الاقتصادي والاجتماعي لأسباب الثورة السورية، والذهاب نحو التركيز على المنطق الصوري وتحديد الاستبداد كمقدمة كبرى، أو الطائفية وتحكّم الأقلية العلوية وبعض العائلات في السلطة، باعتبارها هي السبب المركزي للثورة.

المثقف هنا يريد إخفاء موافقته على السياسات الليبرالية للسلطة الحالية. وبدءاً من عام ألفين بشكل موسع، فقد ركّز جلّ نقده ومنذ ذلك الوقت على الاستبداد حصراً، وعلى الفساد تالياً، أي أن المشكلة تتحدّد في الدولة ككل وليست في الاستبداد فقط، وهذه مقدمة كبرى أخرى، والحقيقة تقول إن النظام والشعب تعايشا لعقود عديدة مع صفتيه السابقتين، ولم تحدث الثورة، ومعارك الثمانينات كانت معارك لشرائح طبقية برجوازية على السلطة الاقتصادية والسياسية أكثر مما هي معارك على تغيير النظام، باستثناء معارك النقابات واليسار آنذاك.

إذا المثقف ومعه كل المعارضة التقليدية والمكرسة ولا سيما هيئة التنسيق والائتلاف الوطني، لا تفهم الثورة بمؤشرات كلية الواقع ما قبل الثورة، أي بالتغيرات التي حدثت في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسة كذلك، وتأثير ذلك على وضعية الشعب؛ تفهم كل ذلك بدلالة شكل النظام السياسي القديم بدءاً من السبعينات والبعض يعود إلى بداية الستينات. وهو ما يدفعهم إلى البحث عن تفسير سياسوي لشكل النظام، إما عبر أيديولوجيا البعث أو في الطائفة أو العائلات التي تحكم. يساهم ذلك في تبرئة البرجوازية السورية على اختلاف أشكالها من نهبها من جهة، ومن جهة ثانية يتم استدعائها للحكم لاحقاً، متجاهلين دورها المنحاز للنظام ضد الثورة أو هروبها لاحقاً هي ومصانعها كذلك.

بتجاهل كل هذا، وبتغييب الاقتصادي والاجتماعي المتعمّد والمقصود، تطورت الثورة باتجاهات في غاية السلبية، وفي هذا تتحمّل القوى السياسية التقليدية الفاشلة تاريخياً مسؤولية مركزية في تحولات الثورة؛ النظام لن يتوانى مطلقاً عن حرف الثورة، وهذا من بديهيات تعريف أي نظام، وطبعاً هو من يتحمل المسؤولية الرئيسية عن كل ما جرى. همجية النظام ومحاولته تطييف نفسه والثورة ذاتها، لعبت الدور المركزي في ذلك، ولكن هذا التطييف مجرد أداة لإعادة إنتاج ذاته، وبالتالي إنّ التحكم بشكل الصراع ومحاولة حرفه، يتمان من أجل ديمومة الطبقة البرجوازية الحـــاكمة لذاته.

صورية هذا المنطق في أنّه وضع شكلاً بسيطاً لآلية انتصار الثورة، فهي انتصرت بهبةٍ شعبية في مصر وتونس، وستنتصر في سوريا عبر الطريق ذاته.. بينما الثورة في سوريا انطلقت وتطورت إلى كل سوريا، ودون دور سياسي للمعارضة، وإنّ تأخرَ انتصارها بيّن أن شروط اختمارها أكثر تعقيداً من تلك الدول، وتتطلب لانتصارها درجة أعلى من الاهتمام بل ونظرية للثورة، لا ترتكّز على شكل النظام فقط، بل على كامل البنية الاجتماعية، أي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي معاً؛ هذا العمل، كان سيضع المعارضة التقليدية في منحى آخر تماماً لرؤيتها المحدودة للثورة، أي سيجبرها على طرح كل أسباب الثورة، وربما سيدخلها في مساومات مع السلطة ذاتها، ولكن وانطلاقاً من قراءتنا أن الثورة شعبية ولا صلة للمعارضة بها في الأشهر الأولى، فإن دفع الثورة نحو خيارات العسكرة وسواها، كان إجبارياً، ولكن ضبط كل ذلك، وتقليل حجم الخسارات، وربما انتصار الثورة، كان أمراً ممكناً وهو ما لم تقم به المعارضة، حيث لم يتم تفكيك أيديولوجيا النظام المحايثة للثورة، بأنّها ثورة “سنية” ومؤامرات إرهابية ومدعومة من السعودية والخارج والأنكى أن المعارضة قامت فعلاً بتبني رواية النظام، فحاولت أسلمة الثورة عبر التركيز على الأكثرية المضطهدة والأقلية الحاكمة وطرح مشكلة الهوية، وذهبت نحو قطر والسعودية، وبالتالي لم تقدم رؤية وطنية للثورة، أي بعكس ما حاولته الثورة ذاتها في البدايات.

إلا أنّ الشعب كان ولا يزال بتوجهه الرئيس يتبنى هذه الرؤية، أي التركيز على أن الثورة شعبية، ولها مطالب عديدة تبدأ من مطلب الحرية أي الديمقراطية مروراً بتحسين الوضع الاقتصادي للناس عبر طرح التنديد ببعض مسؤولي الفساد والشركات الفاسدة بدورها، وبشكل موارب عبر طرح قضية الجولان.

قضايا الثورة هذه كان لابد من دفعها وتجذيرها، ولكن هذا لا يتوافق مع معارضة عاجزة بالكامل قبل الثورة وأثنــاءها وربما بعد انتصارها.

منطق المعارضة ينطلق كذلك من مقدمة بسيطة، تقول: كل شمولية كشمولية النظام السوري تسقط من الخارج، وبالتالي لابد من طلب التدخل الخارجي العسكري وسينتهي الأمر سريعاً؛ هذا المنطق لا يقرأ الشروط الدولية، فهل هناك مصلحة أميركية فعلاً في دعم ثورة شعبية؟ وهل من مصلحة أميركا النصر السريع لثورة في بلد كان نظامه موضوعاً في إطار تغيير شكله من قبل؟ ومنذ الحرب على العراق، وهو جار لإسرائيل مثلاً.

ثم هل أميركا تمرّ بمرحلة تدخلٍ جديد عالمياً، سيما وأنها تنسحب عسكرياً من أفغانستان والعراق، وبالتالي هذه المعارضة لا تفهم العــــالم وصيرورة تحوله.

الآن ينطرح جنيف، ويُقدم كونّه المحدّد لمصير سوريا، وبالتالي لابد منه كمّمرٍ إلى المرحلة التالية، وفعلاً حسمت المعارضة خيارها نحوه كممر للحل، مشكلتها هنا في التعوّيل عليه لوحده لحسم الوضع في الداخل.

ورغم أن جنيف وبعد تدويل الثورة وأقلمتها، صار هو مفتاح الحل، فإن الداخل هو سبب جنيف أولاً وهو ما حسم ضعف النظام ومن سيطبق جنيف ذاته، وبالتالي بإزاء تفعيل المفاوضات، كان يجب تفعيل الثورة في الداخل، وهو ما فشلت فيه حكومتا المعارضة، وفشلت كذلك في توحيد نفسها كمعارضة وتركت الباب مفتوحاً لضغوطٍ روسية بهذا الخصوص.

وبالتالي سيطر موقف بسيط على فهم الثورة، فهي ثورة حرية، ولاحقا ثورة الحرية لا تنتصر لوحدها ولابد من التدخل العسكري، وكذلك تتطلب عوناً إقليميا لا محالة. النظام استغل الفهم القاصر هذا، وحاصرها في خياره العسكري الوحيد، وذلك في مرحلتين: السلمية والعسكرة، وها هو يدمر البلاد، رغم معرفته أنه ذاهب نحو حتفه ورحيله.

قد يأتي جنيف بحل ما، وببدء مرحلة انتقالية، ولكنها لن تختلف عن حالتي تونس ومصر. ففهم الثورة يتطلب الانتهاء من مقدمة كلية ونتيجة تلزم عنها بالضرورة، واعتماد فهم عميق لكلية الواقع. أي لأسباب اندلاع الثورة ولكيفية حل مشكلات الشعب، وصولاً إلى تحقيق أهدافه.


كاتب سوري

9