في الموضوع الإيراني: ما المطلوب من السعودية؟

الثلاثاء 2017/11/21

هناك صدمة شعبية سعودية من ردة فعل اللبنانيين بمجملهم على كذبة احتجاز رئيس الوزراء المستقيل، سعد الحريري، في الرياض. تلك الكذبة التي روّج لها حزب الله والمحسوبون عليه من أطياف مسيحية؛ وحتى من أصوات سنية وقعت في الفخ الإعلامي الذي نصبه الحزب ونفخ فيه رئيس الجمهورية ميشال عون. ما صدم السعوديين أكثر من غيره هو التنكر، الفج والعارم، لكل الفعل السعودي الخيّر في لبنان منذ استقلاله وإلى الآن، حيث لا يستطيع منصف، سعودي أو غير سعودي، أن يفهم لماذا تلقت المملكة وقيادتها وشعبها كل هذه الشتائم وهذه الأوصاف القذرة من بلد يشهد التاريخ، كما تشهد الحقائق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على أنه أثير لدى السعوديين، وأن المملكة تحتفظ له بود كبير ولطالما ساندته ودعمته في كل الظروف.

لقد أفرزت هذه الأزمة بالفعل سؤالا يتجاوز لبنان واللبنانيين إلى المحيط العربي كله، وهو ما المطلوب من السعودية في هذه الظروف التي تتدخل فيها إيران في الشؤون الداخلية لكل دولة عربية، وتتبجّح باحتلالها أربع عواصم عربية، وترسل مباشرة أو عبر وكلائها مثل حزب الله صواريخ باليستية إلى مكة والرياض؟

قبل عهد الملك سلمان كان السؤال على كل لسان هو لماذا تصمت السعودية وماذا تنتظر لتناجز الصلف والغطرسة الإيرانية في المنطقة؟ وما يحيّرني، ويحيّر كل عربي وطني، هو الانقلاب عليها بهذه الصورة حين تحركت في السنوات الثلاث الأخيرة وأجهضت الأجندة الإيرانية في البحرين واليمن، واتخذت المسارات الممكنة لاحتواء العراق عربيا وحلحلة الأزمة السورية بتفاهمات الحد الأدنى مع أميركا وروسيا. ثم حين طالت يد حزب الله خاصرتها في اليمن أخذت الموقف الصحيح من حكومة لبنان الذي يمثل هذا الحزب، المعتدي جهارا نهارا على المملكة، جزءا منها.

المحيّر، أيضا، في المواقف العربية، رسمية وشعبية، أن الكرامة لهذا البلد العربي أو ذاك لا يتم اكتشافها إلا حين يتعلق الأمر بالسعودية وإجراءاتها ومواقفها. على سبيل المثال إذا اختار سعد الحريري أن يقدم استقالته من الرياض ويقيم فيها بضعة أيام إلى أن يقرر موعد عودته إلى بيروت فإن الأمر، في هذه الحالة، يتعلق بالكرامة اللبنانية (المستباحة) من السعوديين البدو، الأجلاف والأشرار. وحين يُساق اللبنانيون عن بكرة أبيهم ليخضعوا لراية الولي الفقيه والحكم المطلق لحزب الله في بلدهم فإن هذه الكرامة تذهب في سبات عميق؛ ولا يكاد لبناني واحد يجرؤ على رفض هذا التدخل الإيراني الصارخ وهذا الإذلال العلني للبنانيين ورهن مستقبلهم بيد ميليشيا تأخذهم إلى المجهول وتبعدهم عن محيطهم العربي.

هناك، في محاولة لتفسير ما جرى ويجري إلى الآن، حالة نفسية عربية عامة يتحكم بها قسرا في مثل هذه المواقف واحد من عاملين محتملين. العامل الأول هو أن الإنسان العربي، بشكل عام، يميل في عاطفته إلى من يقهره ويستقوي عليه؛ بدليل أن التاريخ العربي المعاصر يشهد على ولاء وحب الشعوب لأنظمة مستبدة وزعماء دكتاتوريين أوصلوا دولهم إلى هاوية الانهيار والفشل على كل صعيد. ومازال هؤلاء الزعماء يحتلون، بعد رحيلهم بعشرات السنين، مكانة عاطفية عالية لدى السواد الأعظم من شعوبهم.

وإذا طبقنا ذلك على الحالة السعودية – الإيرانية فإننا سنجد، مع الفارق، نفس المقدمات والنتائج. إيران تتغطرس بترساناتها وصواريخها وتقتل الشعوب والنساء والأطفال في عدد من الدول العربية، وتسلح أذرعها في لبنان وغير لبنان بأعتى الأسلحة، وتمارس القهر والقوة الغاشمة في كل مكان، ثم نجد من العرب من يصفّق لها ويواليها ويدافع عن أجندتها؛ حتى في دول بعيدة إلى الآن عن تدخلاتها المباشرة.

في المقابل السعودية لم تتدخل في بعض الدول إلا من أجل الحفاظ على كرامتها وكرامة الدول والشعوب العربية وتجنيبها الشرور الإيرانية. وهي تمد يدها بالمعونات والمساعدات، وتوظف الملايين من العرب في آلة اقتصادها وتنميتها ثم عند أي موقف، حتى لو كان هذا الموقف عرضيا، تصبح دولة معتدية تُكال لها قواميس الكره والسب والشتم من الإعلام الرسمي وغير الرسمي، إلى درجة الشعور بأنها تقف وحيدة في مواجهة مخططات إيران وتحركاتها الخطيرة في المحيط الخليجي والعربي.

العامل الثاني المحتمل لتفسير ما يجري ضد السعودية في مواجهتها لإيران هو هذه العقدة التاريخية لدى العرب خارج الجزيرة العربية والخليج، فهؤلاء لم يتخلصوا بعد من نظرتهم بدونية إلى كل ما له علاقة بهذه المنطقة؛ بدليل أن الصحافة المصرية أو اللبنانية، على سبيل المثال، تستحضر عند أي خلاف صورة البدوي السعودي أو الإماراتي وبعيره وخيمته وتوظف هذه الصورة بمانشيتات حمراء على صدر صفحاتها مثلما فعلت صحيفة الديار اللبنانية قبل أسبوع.

وبالتالي هل يجوز التصور بأن موقف العرب من مناجزة إيران سيكون أفضل وأقوى لو كان من يتصدى لها دولة عربية غير خليجية؟

هذا سؤال مشروع لكن القدر ليس معه، فإيران جارة قريبة لدول الخليج وهي تهدد هذه الدول أكثر من غيرها، وليس لدينا خيار في المملكة سوى التصدي لخطرها وغطرستها.

وإذا كان العرب سيقفون معنا، كما وقفنا معهم في كل حروبهم وأزماتهم، فهذا ما نتمناه، أو لن يكون هناك خيار آخر سوى أن نبحث منفردين عن مصلحتنا بعد أن نتخلص من وهم الأشقاء العرب ونكفّ عن الحديث عن الأمن القومي العربي المشترك، وهو ما ألمح إليه وزير خارجية البحرين في كلمته في الاجتماع الوزاري للجامعة العربية السبت الماضي.

كاتب سعودي

8