في النكبة والنكسة والولاء للأمر الواقع

الأربعاء 2017/05/17

البلاغة التي صاغت مصطلحي “النكبة” و“النكسة”، كبديل من الهزيمة في الحالتين، تقع في ذمة الأنظمة التي أدت إليهما، كون تلك الأنظمة لم تعترف في زمنهما بأنهما أكبر هزيمتين عربيتين في القرن العشرين، بتواطؤ جماهيري رفض تصديق حقيقة الهزيمتين واستمر في البحث عن بطل يعيد الأمور إلى نصابها، على الرغم من أن كلمة “نصاب” ليس لها نصاب، هنا، وعلى الرغم من عجز الذاكرة عن الوصول إلى نصر عربي في الأمس القريب، حتى بالنظر إلى “الثورات” على دول الانتداب في العالم العربي الذي انتقل في بدايات القرن العشرين من “الفتح العثماني”، إلى الانتدابين الفرنسي والبريطاني، مع بعض الإيطالي.

بالمجمل، نفـذ البلاغيون، في “دول الطوق” خاصة، إرادة الحاكم العربي، وترجموا أيديولوجيته: الهزيمة هي سقوط الأنظمة “التقدمية” المكلفة باستعادة الحق المسلوب، وما أُخذ بالقوة لا يستعاد بغير القوة.. إلخ.

على المنوال نفسه، لم يكن حصار بيروت عام 1982 هزيمة، ولم يخسر العراق حرب السنوات الثماني مع إيران، ولم يكن ضم الجولان إلى “دولة إسرائيل” هزيمة، كما لم يكن سقوط لاءات جمال عبدالناصر التي أطلقها في قمة الخرطوم عام 1967، في عهد أنور السادات ومن بعده، هزيمة، بل لم يكن السقوط المدوي لبغداد في العام 2003 هزيمة، على الرغم من سقوط صدام حسين ونظامه البعثي فيها دون قيامة جديدة.

لسوء الحظ أن المصطلحين المذكورين اختصا بإبدال أسماء الهزائم أمام إسرائيل فقط، فالهزائم التالية كانت أشد أثرا، وإن كانت غير مقترنة باستعمار استيطاني على غرار التواجد الإسرائيلي المديد في فلسطين.

النكسة تلت النكبة بـ19 عاما. لكن هذه السنوات لم تكن كافية لاستعادة الحق الأول، في حين كانت 6 سنوات كافية للمبادرة بتسخين المعركة في عام 1973، بعد سنوات من “حرب الاستنزاف”. وليت هذا التسخين لم يكن، وليت نصر “استعادة المقاتل العربي زمام المبادرة والهجوم” لم يكن، وليت ملحمة العبور لم تكن، وليت تحطيم “خط بارليف” في الجنوب، وليت تحطيم “خط آلون” في الشمال والوصول إلى بحيرة طبريا لم يكن. فبعد هذه التواريخ بسنوات تلاشت حتى البلاغة من المصطلحين المذكورين، بل ووجد “الفاتح أنور السادات” بعد سنوات من اغتياله من يبرر له ما فعل، كونه قرأ الواقع السياسي للعرب كما يجب، واعترف بالهزيمة العسكرية، ومهّد للانفتاح الاقتصادي الذي ابتلع الشعب المصري الغيور على عروبته بالفطرة والعقيدة، وكافأ هذا الشعب بإسكانه بالعشوائيات التي تزداد اتساعا بالسرعة نفسها التي يزداد فيها عدد نفوس هذا الشعب.

أما الرئيس التقدمي العلماني “غير المؤمن” صدام حسين فأدخل الجناح الشرقي لـ“العروبة” في حرب مع إيران انتهت بعد ثماني سنوات، دون غالب أو مغلوب، مع ما لا يقل عن مليون قتيل من الطرفين بين عسكري ومدني، وإنفاق قارب 500 مليار دينار عراقي (الدينار كان يساوي 3 دولارات في تلك الفترة).

نفذ البلاغيون، في (دول الطوق) خاصة، إرادة الحاكم العربي، وترجموا أيديولوجيته: الهزيمة هي سقوط الأنظمة (التقدمية) المكلفة باستعادة الحق المسلوب، وما أخذ بالقوة لا يستعاد بغير القوة.. إلخ

وبالأصالة عن أنفسهم، وجد الفلسطينيون أنفسهم مضطرين إلى مجاراة الواقعية السياسية التي أسس لها السادات، فاعترفوا بالقرار 242، أي بإسرائيل في 15 نوفمبر 1988، خلال مؤتمر المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر (بوثيقة صاغها الشاعر محمود درويش)، وصولا إلى الساعات التالية لحرب تحرير الكويت من احتلال صدام حسين، التي شرّعت لأوسلو، ووادي عربة، وواي ريفر، ومفاوضات نظام الممانعة مع إسرائيل بوساطات أميركية وإسبانية وتركية، تواليا.وعلى الضد من التعريف الحرفي للبلاغة العربية: التعبير عن الفكرة بأقل عدد من الكلمات، ظلت بلاغة “النكبة”، و“النكسة” الأشد غموضا، في اللغة والسياسة، إلا إذا أرفقناها بشروحات الحاكم العربي الذي لم “يُنكب”، أو “ينتكس”، حتى بعد محاولة الربيع العربي الإنتاش.

في مرج الزهور، عام 1992، نجح 416 فلسسطينيا أبعدتهم إسرائيل من قطاع غزة إلى جنوب لبنان، في اجتراح معجزة عودة إلى الأرض المحتلة (اختار بعضهم عدم العودة)، بعد تصعيد القضية بقيادة الطبيب الشهيد، عبدالعزيز الرنتيسي، وتحويلها إلى ضغط عالمي أجبر إسرائيل على التراجع والسماح بعودة المبعدين.

هذه لم تكن بلاغة، بل كانت فعلا، ومقاومة سلبية أنتجت حقيقة، وإن كان جزء من هذه الحقيقة تحول إلى اغتيال مؤسس حماس، الشيخ أحمد ياسين، في 22 مارس عام 2004، واغتيال “قائد” مجموعة مرج الزهور، الطبيب الرنتيسي في 17 أبريل عام 2004.

بلاغة أخرى، لكنها ساقطة، جعلت ابن خال رئيس النظام الأسدي، رامي مخلوف، أغنى رجل عربي في عام 2017، بثروة تُقدر بـ27 مليار دولار، حسب مجلة فوربس. هذه البلاغة تذكرنا ببلاغة وزير الخارجية الإسرائيلي عام 2010، أفيغدور ليبرمان، الذي توعد النظام الأسدي الذي انسحب من المفاوضات التي ترعاها تركيا، وهدد بقصف المدن الإسرائيلية، بهزيمة في حرب مع إسرائيل، وبـ“خلع” نظام الأسد من حكم المزرعة السورية.

البلاغة الرد جاءت على لسان رامي مخلوف، حين قال عام 2011، كـ“دمية أسدية” تردد ما يريده النظام، “لن يكون هنالك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هنالك استقرار في سوريا”.

أما البلاغة اليوم، وعلى الأرض، في دمشق، فتقول إن حجم المال هناك مرعب. بلاغة أخرى مؤكدة تؤكد أن حجم الفقر هناك مرعب، أيضا.

ويقدر خبراء أن تكلفة إعادة إعمار مدينة حلب وريفها، تُقدر بخمسة مليارات دولار، أي أقل بكثير من خمس ما يمتلكه رامي مخلوف، فهل يفعل إذا لم يكن من بين العشرين شخصية التي سترافق بشار الأسد حين يخرج من سوريا، وفقا لأحدث صيغ البلاغة السياسية الأميركية.

من المؤسف أن بلاغات الحاكم العربي في العصر الحديث اختصت بالسياسة والحرب والكوارث العسكرية المتناسلة، وأن بلاغة الأدب والشعر تتنافس مع ذاتها في مكان آخر غير واقعي، حتى مع ادعـاء الشعراء وتأكيدهم على وجوب ضرب رأس الشعر بحائط الحياة، إنقاذا له من التهويم البلاغي الذي يحبسه في القواميس ويبعده عن الناس.

الآن، ليس من البلاغة القول إن مصيرنا يتوقف على ما تفعله أميركا، أو ما لا تفعله أميركا، بعد أن حلت محل كل من بريطانيا العظمى وفرنسا، فحاصل جمع النكبة والنكسة هذه السنة هو 119، بينما لا يزال الفرق بينهما ثابتا عند 19 سنة، وحاصل طرح الفرق بينهما من مجموعهما هو 100 سنة من الإعجاز البلاغي والعددي العربي الإسلامي الممانع.

كاتب وصحافي سوري

8