في الهواء الطلق

الخميس 2013/10/24

بعد ثورة 25 يناير صارت الجدران في شوارع مصر أكثر من أي وقت مضى متنفسا لشعارات المصريين بمختلف توجهاتهم ومعرضا للرسوم الجرافيتي التي ازدهرت مع الثورة. صار بإمكان كل من لديه شعار أن يسجله على الجدران بالإضافة إلى قدرته على الهتاف به في المظاهرات.

فقد تم اكتساب الحق في إعلان الموقف بشكل واسع في الهواء الطلق في مصر كلها، ولم يعد كما كان قبل ثورة 25 يناير محصورا في دوائر ضيقة أو بعض شوارع القاهرة، ولم تعد الفترات بين ظهور شعار وآخر تطول فالشعارات أو الرسوم تتجدد بإبداع بدون توقف، ودوما هناك جديد يضاف إلى تلك الجدران يكشف عما جد على الساحة السياسية. في بداية حكم المجلس العسكري بعد تكليف مبارك له ظهرت عبارة " اللي كلّف ما ماتش " مصحوبة برسم لوجه مبارك الملتحم به وجه طنطاوي رئيس المجلس العسكري وبعد شهور أضيف إليهما وجه محمد مرسي بعد انتخابه.

في تعبير بالكلمة والصورة عن أن الوضع كما كان ولم يتحقق شيء من مطالب ثورة يناير. وفي بداية حكم الإخوان ظهرت على جدران مترو الأنفاق ثم صعدت إلى الشوارع تلك العبارة النبؤة " نهضة وتزول " في إشارة إلى مشروع النهضة الذي أوهم به الإخوان فئات من الشعب ثم ثبت أن لا وجود له، وزال الوهم كما زال حكم الإخوان.

وتستطيع أن ترى على الجدران الصراع السياسي الدائر حتى الآن من خلال كتابة الإخوان لـ "مرسي راجع إن شاء الله" وإضافة الرافضين لهم ولحكمهم لـ" مش " بعد مرسي في ملاحقة جدارية لتبديد الوهم الذي مازال الإخوان يتمسكون به. طالت الشعارات ورسوم الجرافيتي كل الجدران حتى الجدران العازلة التي أقامها المجلس العسكري في شوارع القاهرة ومازالت بعضها قائما حتى الآن، كما طالت عربات مترو الإنفاق والسيارات العامة والخاصة. وكلما حاول الأمن طمس تلك الشعارات والجرافيتي بإعادة طلاء الحوائط فإنها تعاود الظهور على الطلاء الجديد مصحوبة بتهنئة بالطلاء سخرية من الأمن ومحاولاته.

وكان أستاذ علم الاجتماع العظيم الراحل سيد عويس قد استخدم توصيف "هتاف الصامتين" في السبعينات من القرن الماضي ليصف ما يخطه المصريون على سياراتهم من عبارات تكشف عن رؤاهم في الحياة وآرائهم، أما الآن فيمكن وصف ما يظهر على الجدران والسيارات بـ" هتاف الثائرين" لأنه لم يعد ساكنا مكانه على الجدار بل يمتد إلى المظاهرات والاعتصامات والإضرابات.

كأن هذه الجدران بعث جديد للمعابد والمسلات الفرعونية مع فارق جوهري أن جدران الثورة ليست تمجيدا للحكام بل محاسبة لهم وكشف زيف خطاباتهم والسخرية منها وتخليدا لأسماء وصور الشهداء.

ولن يكتمل التأريخ لثورة يناير بمراحلها المختلفة إلا بتوثيق مرتب زمنيا لهذه الجدران ليكون متاحا الكيفية التي سجل بها الثائرون ثورتهم خلال قيامهم بها والاطلاع على يومياتهم التي سجلوها في الهواء الطلق.


كاتب من مصر

14