في الهوى سواء

البنطال لم يعُد رمزا للذكورة منذ ستينات القرن الماضي، كذلك لم يعُد الشعر الطويل مقتصرا على المرأة.
الأربعاء 2019/02/20
البسطاء من الناس أكثر وعيا بالفطرة من مدعي الانفتاح والحداثة

ما أسخف أن تسطّح الخلافات وتختصر الصراعات إلى قطبين أساسيين هما المرأة والرجل وكأن عالمنا العربي لا يشكو من أي مشكلة غير الحرب بين الفستان والبنطال… بالمناسبة، البنطال لم يعُد رمزا للذكورة منذ ستينات القرن الماضي، كذلك لم يعُد الشعر الطويل مقتصرا على المرأة.

لقد بالغت بعض النساء في معاداة الرجل حتى ظنناه سبب كل هزائمنا وصرنا ننظر إلى مكانه الأمثل وهو يرتدي مريول المطبخ، ويغسل الصحون، ويقشّر الثوم وينقّي العدس، بينما تتناول زوجته القهوة مع صديقاتها في الصالون، تشتم الذكور وتناقش في قضايا تحرر المرأة متناسية أنها تخيّر الرجل على بنات جنسها في الطبخ والتزيين وتصفيف الشعر، وتصميم الثياب والمعالجات الفيزيائية والاستشارات الطبية، بل هو كاتبها المفضل في الدفاع عن قضايا المرأة منذ رائدي الثلاثينات في العالم العربي، أي الطاهر الحداد في تونس وقاسم أمين في مصر.. هل ثبتت فعلا، مقولة أن “المرأة تهرب من الرجل إلى الرجل”.

الغريب أن الرجل المثقف بدوره كرّس كل معارفه وجنّد ثقافته لنُصرة الذكورة على الأنوثة حتى في عالم الجمال، إذ برهن واستدلّ على ذلك بمقاربات في علم الجمال، تستند على فكرة الاستشهاد بروعة التشريح الجسدي لتمثالي “أبولون” و”رامي القرص” لدى قدماء اليونان، كذلك تفضيل المذكر من الحيوان على المؤنث منه مثل الطاووس والحسون والكبش والأسد وغيره.

يدعّم الكثير من الرجال هذه الفكرة المناصرة للذكورة على الأنوثة في عالم الإبداع قديما وحديثا، بقولهم إن تاريخ الفنون والآداب لم يعرف “شكسبيرة” أو “مولييرة” أو “بيتهوفنة” أو حتى عبقرية شعرية في التاريخ العربي اسمها “أم الطيب المتنبي” مثلا.

ولا يخفي الرجل حسده لهارون الرشيد وقصص ألف ليلة وليلة المدججة بالمتعة حين يصفق السيد بيديه فيأتيه سرب من النساء، كما أن الرجل المعاصر يتعامل مع نشاط المرأة كترف أو نزوة عابرة سرعان ما تزول بعد الزواج، حتى أنه ينظر إلى التقديرات والجوائز الإبداعية التي تمنح للمرأة مثل الميداليات التي يفوز بها ذوو الاحتياجات الخاصة في الحقول الرياضية، أي أن لها مقاييس تراعي حدود قدرات هؤلاء.

أعرف رجلا فاز بجائزة نقدية لدفاعه المستميت عن قضايا المرأة، وأول شيء فعله صاحبنا بعد قبض الجائزة هو “تجديد شبابه” وزواجه من مطلقة شابة وناشطة في نفس المجال.

هذا هو نموذج الـ”كوبل” المثقف في حياتنا المعاصرة، فكيف هم البسطاء من عامة الناس؟

أكاد أجزم قاطعا أن البسطاء من الناس أكثر وعيا بالفطرة من مدعي الانفتاح والحداثة. يكفي أنهم غير ملوثين بالشعارات المنتفخة والجُمل الرنانة.

قوة البسطاء أنهم يختلفون حين يجب الخلاف ويتواددون حين يجب التوادد، ينجبون ويربون أطفالا دون أن يجبروهم على الرسم أو كتابة الشعر أو التعلّم على آلة البيانو لغرض التباهي أمام ضيوفهم.

شخصيا لست من دعاة “محو المعرفة وتعليم الأمية” ولا من محبّي جلد الذات، ولكن نسبة التعصب في الأوساط المتعلمة مفزعة في عالمنا العربي لأن المتعصب المتعلّم يملك القدرة على الإقناع أكثر من غيره، وتنصت لحديثه العامة أكثر من غيره.

إنه لأمر كارثي أن يقضي الواحد ربع حياته في المدارس والجامعات ليصل إلى قناعة مفادها أن السلف لم يكن صارما كما ينبغي في تشبثه بالعادات والتقاليد.

متى نقتنع أن الإنسان طائر لا يمكن أن يحلق إلاّ بجناحين هما الذكورة والأنوثة، والذين يشبهون في نكاتهم المرأة بالسجادة العجمية أو “الأومليت” و”المايونيز″ نسوا أن هذه المفردات “بيتوتية” خالصة، وأن الذي ابتدعها هو بلا شك رجل حكمت عليه امرأته بتنظيف السجاد وإعداد “المايونيز″ و”الأومليت”.. وما عدا ذلك، فمن أدراه بذلك؟

21