في الواحات المصرية زواج الفتيات لا يحتاج إلى مشقة

أعلى نسبة زواج وأقل معدلات طلاق في مصر، ولا عراقيل أو طلبات من والد الفتاة للشاب الذي يتقدم لخطبتها.
السبت 2018/03/10
العروس ممنوعة من حضور حفل الزفاف (تصوير: محمـد حسنين)

الواحات (مصر) - رصدت “العرب” عن قرب حجم التباين في طقوس الزواج في الواحات عن أي منطقة مصرية أخرى، ففي الأولى تقوم على العادات والتقاليد التي لا تتغيّر بتقدم الزمان، مع أن سكان الواحات يتبعون محافظة الجيزة القريبة من القاهرة.

وأهم ما يميّز الزواج في مجتمع الواحات أن التعقيدات والشروط التعجيزية التي تفرضها أسرة الفتاة على الشاب في الكثير من المحافظات المصرية، لا مكان لها عندهم، ما يسهّل من إجراءات الزواج، لأن الفتاة في النهاية سوف تعيش في مجتمع صحراوي تحكمه عادات صارمة لحد بعيد.

وفي هذا المجتمع يكون الزواج من الأمور السهلة، فلا عراقيل أو طلبات بالجملة من والد الفتاة للشاب الذي يتقدم لخطبتها، ويكفي أن يمتلك منزلا في أي مكان بالواحات كي يتقدم لخطبة الفتاة، وهذا ما يسهل على الشاب حل مثل هذه التعقيدات لأن الأراضي متاحة للجميع وبأسعار زهيدة نظرا للطبيعة الصحراوية الشاسعة، أين لا يتجاوز سعر المتر المربع 180 جنيها (5 دولارات).

ومن عادات وتقاليد الأسرة في الواحات المصرية، أن زواج الفتاة يتم سريعا دون شروط تعجيزية على الشاب، ما يجنبها العنوسة أو يؤخر زواجها، وهو من الأمور المعيبة في هذا المجتمع، ولكل من أسرتي العريس والعروس أن يقدما ما في قدراتهما المالية من دون استدانة من أحد.

لا شروط تتعلق بالمهر أو العشرات من الغرامات من الذهب أو دفع الآلاف من الجنيهات للعروس ولا قاعات بعينها لإقامة الأفراح

وتدرك الأسر المختلفة في المجتمع الصغير، أنه طالما هناك توافر للرضا والستر، أي منزل الزوجية، فإن كل شيء آخر يكون استثنائيا، فلا شروط تتعلق بالمهر أو تقديم العشرات من الغرامات من الذهب أو دفع الآلاف من الجنيهات للعروس ولا قاعات بعينها لإقامة الأفراح، وكل ذلك ليس له وجود في منطقة الواحات.

وقال محمد جميل، وهو شاب من الواحات لـ”العرب”، “تزوجت قبل عامين بـ30 ألف جنيه (1700 دولار).. أنشأت منزلا من ثلاث غرف بالطوب الحراري، وزوجتي قامت بشراء كل المستلزمات الأخرى.. ولا توجد في مجتمعنا ثقافة دفع المهر وقوائم المنقولات، هنا المنزل وكفى”.

وأضاف “ما يحدث في مناطق أخرى من ارتفاع تكاليف الزواج كارثة اجتماعية، فوالد الفتاة يريد أن يضمن لها منزلا فخما ويلبسها الذهب قبل أن يضمن أخلاقيات زوجها وسعادة ابنته من عدمه، وهناك (يقصد المدن) من يشترون المظاهر ونحن نشتري الرجل بفقره”.

ولأن والد الفتاة يرفض تحديد قيمة الهدية التي يقدمها الشاب لابنته عند الخطبة، فإن أسرة الشاب لا تتشدد في نوعية المستلزمات المعيشية التي تشتريها الفتاة لمنزل الزوجية، والطرفان هنا يتعاملان بسلالة وفق قدراتهما المادية.

وتبدأ مراحل الزواج في الواحات بتقدم أسرة الشاب إلى والد الفتاة لطلب خطبتها، ولا تكشف عن وجهها سوى أمام والدة أو أخت الشاب، وجميع الفتيات في الواحات منقبات ولا يكشفن عن وجوههن على أغراب، فالرجل لا يرى إلا وجه النساء المحرم الزواج منهن.

وإذا نالت الفتاة إعجاب الأم والأخت ووافقت أسرتها على الخطبة، يذهب الشاب الراغب في الزواج منها إلى منزلها ليرى وجهها مرة واحدة قبل أن تكون زوجته رسميا، وهو ما يعرف في الواحات بـ”الرؤية الشرعية” لطالب الخطبة.

ولا يحق للفتاة أن تخرج برفقة خطيبها قبل الزواج تحت أي ظرف، حتى لو كان ذلك بحضور أفراد أسرتها، فذلك يعتبر من المحرمات وفق العادات والتقاليد والموروثات القديمة في مجتمع الواحات.

وحتى وإن كان الشاب من أحد جيران الفتاة، فلا يجوز أن يذهب إلى منزلها خلال فترة الخطبة سوى كل أسبوعين أو شهر، بناء على إذن مسبق من أمها التي تحضر مع الشاب وابنتها طوال فترة جلوسهما معا، فهذا المجتمع لا يعرف “الخلوة” بين الشباب والفتيات.

ورغم أن زواج الفتاة في الواحات البحرية يبدأ مع بلوغها سن الـ16 عاما بشكل عرفي، ولا يتم تسجيل عقد الزواج رسميا قبل سن الـ18 عاما وفقا للقانون، فإن الزوج وأسرته لا يوقعان على شيك بنكي بالآلاف من الجنيهات لأسرة الفتاة لضمان عدم تهربها كما يحدث في أقاليم تزوج فتياتها عرفيا وتخشى تنصل الزوج من الأبناء لاحقا، باعتبار أنه زواج غير رسمي.

ويبرر أحمد عادل، وهو شاب من سكان الواحات، ذلك بأن “مثل هذه الاتفاقات تكون بين كبيري العائلتين، وكلام كلاهما سيف على رقبة الجميع، وهما المسؤولان عن التوفيق بين الزوجين، إذا حدث خلاف أسري، ولا يوجد شيء في الواحات اسمه محاكم أسرة أو طلاق إلا نادرا، فالزوجة تعيش في كنف زوجها طوال الحياة، ومن تتجرأ وتطلب الطلاق تصبح منبوذة مجتمعيا”.

 

تمثل طقوس الزواج في منطقة الواحات البحرية، الواقعة على بعد نحو 400 كيلومتر غرب القاهرة، حالة فريدة من نوعها، حيث المجتمع الذي يعيش في هذه المنطقة لا يعرف معنى كلمة “عنوسة” أو تأخرا في سن الزواج، ولا توجد فتاة تجاوزت سن الـ18 عاما ولم تتزوج، لكن يتم منع العروس من حضور الاحتفالات الغنائية التي تسبق ليلة الزفاف، وتقتصر على العريس وأصدقائه وجيرانه وأفراد عائلته.

وفي حفل الزفاف الذي حضرته “العرب” في الواحات قبل أيام، وجدت أن العروس لم تحضره، ويقتصر الأمر على إقامة حفل ضخم للعريس فقط، وتقوم أسرة العريس بإعداد مائدة طعام كبيرة لاستيعاب الأقارب والجيران والأصدقاء، ويستمر تقديم المأكولات لمدة 3 أيام متواصلة يتم فيها ذبح الماشية بين الأبقار والإبل والماعز بحسب قدرات أسرة العريس، ويكون اليوم الأخيرة لهذا الحفل قبل الزفاف بليلة واحدة.

ويقام حفل ضخم عند منزل العريس يحضره كل أهله وجيرانه وجميع أصدقائه، ويفترش الجميع الأرض للاستماع إلى الفرقة الموسيقية التي تعزف الأغاني البدوية من أعلى مسرح خشبي، ويجلس العريس أعلى المسرح ويلوّح بيده للتعبير عن الامتنان والشكر لمن جاؤوا لتهنئته. أما العروس، فتستقبل صديقاتها وجيرانها من السيدات اللاتي جئن لتهنئتها في منزل والدها من دون طبول أو عزف أو غناء مثل ما يحدث في حفل العريس، لأن الاعتقاد الراسخ لدى المواطن في الواحات أنه من الأمور المعيبة علو صوت المرأة بالغناء حتى لو كانت في ليلة زفافها.

ويوضح أحمد عادل “حسب الطقوس المتبعة، الاحتفال بالعريس ينتهي فجر يوم العُرس لإتاحة الفرصة أمام الجميع للمشاركة، وفي مساء نفس اليوم يذهب العريس إلى منزل العروس برفقة كبير عائلته وأسرته لعقد القران، ثم يتم اصطحابها إلى منزل الزوجية في صمت، ولا يوجد في الواحات عقد للقران سوى قبل لحظة ركوب العروس سيارة العريس بدقائق قليلة”.

ومنذ دخول فتاة الواحة منزل زوجها، لا تخرج منه إلا بصحبته، ما لم تكن تعمل في إحدى الوظائف الحكومية، فهي تخرج وتعود في مواعيد دقيقة، والزوج هو المسؤول عن التسوق وشراء مستلزمات المنزل، وتظل حبيسة المنزل سواء قبل الزواج أو بعده.

21