في اليوم العالمي للمتاحف.. الإنسانية تحتفي بتراثها الثقافي

من المغرب إلى البحرين.. المتاحف العربية تفتح أبوابها افتراضيا للزوار.
الثلاثاء 2020/05/19
جولات افتراضية في التاريخ والفنون (متحف البحرين)

المتاحف ليست مجرد دُور تُعرض وتُحفظ فيها الآثار القديمة والتحف النادرة وروائع اللوحات الفنية. فمهمتها الرئيسة تتعدى الحفاظ على التراث وحمايته، لتضطلع بدور محوري في النهوض بالموروث الثقافي والحضاري الإنساني. وإن تسبب انتشار فايروس كورونا في إغلاق المتاحف، فإن التكنولوجيا الحديثة فتحت أروقة هذه الصروح للزوار عن بعد، ما مثل فرصة ثمينة لمحبي الثقافة والتراث والتاريخ.

الرباط - تعتبر المتاحف مأوى لحفظ كنوز لا تقدر بثمن وملاذا لإبداعات وتأملات يزخر بها التراث على مر العصور، وتنطوي أصولها على نوع من الحداثة في تاريخ البشرية الثقافي، لتكون واجهة تنويرية تضع الإنسان في سياقه التاريخي الحضاري الراهن والغابر.

فهذه المؤسسات الثقافية ذات القيمة المعنوية العالية كانت وما تزال مرآة للماضي، وامتدادا لإبداعات مختلف الشعوب، وشاهدة على تعاقب الحضارات والأمم. ومن هذا المنطلق وقع إقرار يوم 18 مايو من كل عام مناسبة للاحتفال بالمتاحف حافظة الذاكرة الإنسانية.

احتفاء استثنائي

تعود مبادرة الاحتفال باليوم العالمي للمتاحف إلى المجلس العالمي للمتاحف، الذي دأب على تنظيم هذه المناسبة منذ سنة 1977، تجسيدا للفكرة التي تبلورت في إطار اجتماع الجمعية العامة للمجلس في موسكو، ليصبح موعدا دوليا يعلي قيم الفن والذاكرة ويحتفي بأهمية المتاحف ودورها التوعوي والتعليمي والثقافي.

ويشكل هذا اليوم العالمي مناسبة للتذكير بمدى أهمية المتاحف كوسيلة للتبادل الثقافي وإثراء الثقافات وتعزيز التفاهم والتعاون بين الشعوب، باعتبار أن هذه المؤسسات الثقافية تضطلع بدور مهم في الحفاظ على التراث والذاكرة الجماعية والتعريف بما خلفته قرائح الحضارات الراهنة والغابرة، حماية لحق الأجيال في النهل من مآثر الحضارة وروائع التاريخ.

وتحمل احتفالية هذه السنة عنوان “المتاحف من أجل المساواة: التنوع والشمول” قصد تعزيز العلاقة بين المتحف والمجتمع والتفاعل بين الثقافة والطبيعة، وفهم ثقافة المجتمعات وعلاقة الشعوب ببعضها البعض، إدراكا للمعنى الحقيقي للأبعاد التربوية الشمولية وحفظا للذاكرة الإنسانية.

وعادة ما يشجع المجلس العالمي للمتاحف على مشاركة شتى المتاحف التي ارتفع عددها في العالم، بفضل النمو الهائل الذي شهده قطاع السياحة الثقافية في العقود الأخيرة، من 22 ألفا سنة 1975 إلى 55 ألفا اليوم، وفقا لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).

بيد أن احتفالية هذه السنة تأتي مختلفة تماما عن سابقاتها. فعلى غرار تداعياتها الصحية والاقتصادية، ألقت جائحة فايروس كورونا المستجد (كوفيد – 19) بظلالها أيضا على كافة مجالات الفنون والتراث الثقافي، وتسبب الحجر الصحي في إغلاق جل المؤسسات الثقافية والمتاحف ومواقع التراث الإنساني منذ مارس الماضي.

وهذا ما أرغم متاحف العالم أجمع على تقليص أنشطتها بشكل جذري، والانتقال من أرض الواقع إلى تنظيم الفعاليات الافتراضية والإلكترونية، لمواصلة نشر فكرة الشمولية والعالمية التي تعتبر إحدى أهم خصائص احتفالية هذه السنة، التي تتوخى تخطي الحدود الجغرافية والقيود المفروضة لاحتواء تفشي جائحة كورونا.

احتفالية هذه السنة تحمل عنوان "المتاحف من أجل المساواة: التنوع والشمول" قصد تعزيز العلاقة بين المتحف والمجتمع

ولجأت العديد من المتاحف العالمية إلى تقنية العرض بزاوية “360 درجة”، على منصاتها الإلكترونية، والتي تتيح مشاهدة مقتنياتها وأعمالها الفنية المعروضة في مشهد بانورامي يشبه إلى حد كبير معاينتها في الواقع. وبالفعل، فقد مكّنت هذه التكنولوجيا عشاق الفنون والآثار، في هذا الظرف الاستثنائي، من البقاء على اتصال وتواصل دائمين بتاريخ الإنسانية، حتى في فترة الحجر الصحي.

وتجمع المتاحف بين عناصر الحضارة والتاريخ والثقافة واللغة، وتقوم بمهمة توصيل المعلومة عن طريق التحف الفنية التي تعكس تاريخ أو حضارة أو ثقافة شعوب، كما تعكس احتكاك الثقافات والمجتمعات وتفاعلها في سبيل تعزيز روح المعرفة الحضارية وحفظ تاريخ الإنسانية.

وتكتسي المتاحف بُعدا وطنيا ودوليا من خلال حفاظها على التراث الشعبي وحمايتها للموروث الثقافي لكل شعب وبلد وحضارة، وبالتالي أضحت هذه المؤسسات الثقافية تقدم خدمة جليلة في ترسيخ الوجدان وحفظ الذاكرة وتحقيق التنمية داخل المجتمعات. إذ يعتبر التراث المحفوظ عاملا وأداة للحوار بين الأمم ولرؤية دولية مشتركة ترمي إلى تحقيق التنمية الثقافية.

المغرب والبحرين

ولم يشكل المغرب استثناء في هذا الصدد، إذ دعت المؤسسة الوطنية للمتاحف، بالنظر إلى الظرفية الحالية، عامة الناس للاستمتاع بزيارة افتراضية بزاوية 360 لمختلف المعارض البارزة التي تحتضنها المتاحف التي تقع تحت وصايتها، معززة بدليل مصور وشروحات نصية حول مختلف الموضوعات ذات الصلة بالمعارض.

وبغية جعل الفن في متناول الجمهور العام خلال فترة الطوارئ الصحية، أبرزت المؤسسة أن مبادرة “المتحف في البيت” ستنطلق بمعرض “أمام بيكاسو” الذي سبق أن استقبله متحف محمد السادس للفنّ الحديث والمعاصر بالرباط سنة 2017، وضمّ أكثر من مئة عمل، ليعقبه المتحف الوطني للنسيج والزرابي بمراكش “دار السي سعيد”، موضحة أن إمكانية الزيارة الافتراضية متاحة على الموقع الإلكتروني.

من جهتها، وتشجيعا للمواطنين على المكوث في بيوتهم، أكدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير أن فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بسيدي سليمان، ينظم إلى غاية 30 ماي الجاري، أنشطته الاحتفالية باليوم العالمي للمتاحف عن بعد، وذلك على شكل دروس وحلقات نقاشية تسلط الضوء على دور المتاحف في ترسيخ قيم الوطنية والمواطنة الإيجابية والسلوك المدني في صفوف الأجيال الجديدة والمتعاقبة.

واقتناعا منها بالدور الهام الذي تضطلع به المتاحف في حماية التراث الثقافي وتطوير المجتمع وتربية الذوق الفني والتعليم، إضافة إلى الجانبين الترفيهي والسياحي، جعلت المؤسسة الوطنية للمتاحف من إعادة تأهيل المتاحف محورا من أهم محاور استراتيجيتها، التي تعكس الإرادة الملكية السامية التي تروم تطوير المتاحف وتثمين التراث المغربي وغناه التاريخي.

بدورها تحتفي هيئة البحرين للثقافة والآثار باليوم العالمي للمتاحف، حيث تحرص الهيئة سنوياً على الاحتفال بهذه المناسبة تأكيداً على أهمية المتاحف في إثراء الحراك الثقافي البحريني ودورها في بناء جسور التواصل ما بين البحرين والعالم.

وبهذه المناسبة قالت الشيخة مي بنت محمد آل خليفة رئيسة هيئة البحرين للثقافة والآثار “نحتفي باليوم العالمي للمتاحف لكي نؤكد على أهمية الصروح الثقافية في المحافظة على منجزاتنا الحضارية”، مضيفة: “وبالرغم من الظروف التي فرضتها الأزمة الصحية العالمية،

إلا أننا ما زلنا نؤمن بدور المتاحف في بناء جسور التواصل مع الآخر ولا بد من استمرارية عملها في حمل رسالة الثقافة وتعريف العالم بما نمتلكه من مقومات إنسانية وثقافية ولو عن بُعد في هذه الأثناء”.

وأشارت إلى أن هيئة البحرين للثقافة والآثار استثمرت التكنولوجيا في ظل قواعد التباعد الاجتماعي التي فرضتها الأزمة الحالية، من أجل الانتقال بالمواقع والمتاحف إلى الفضاء الإلكتروني، مضيفة “اليوم لدينا جولات متحفية متكاملة نقدّمها للجمهور عبر منصّاتنا الإلكترونية يمكن من خلالها معايشة تجربة تغني الحواس وتعطي فكرة عما نمتلكه من مقومات إنسانية”.

وضمن رؤيتها لتعزيز حضورها على منصّاتها الإلكترونية وفي ظل تعليمات وقواعد التباعد الاجتماعي، تقدّم هيئة البحرين للثقافة والآثار عدداً من الجولات الافتراضية لعدد من متاحف مملكة البحرين ومعارضها، فيمكن للجمهور من خلال الموقع الإلكتروني للهيئة زيارة كل من متحف البحرين الوطني، متحف موقع قلعة البحرين، مركز زوار مسجد الخميس، قلعة الشيخ سلمان بن أحمد الفاتح، قلعة البحرين وباب البحرين. كذلك يمكن زيارة عدد من المعارض التي استضافتها المتاحف مثل سلسلة معرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية، معرض الأختام الدلمونية، معرض “تايلوس، رحلة ما بعد الحياة” وغيرها.

14