في انتظار الاستحقاق الانتخابي الأهم: تونس يهددها الإرهاب دائما

الجمعة 2014/10/17
يحول المتطرفون الإجراءات الأمنية الحكومية إلى دعايات تجييش

تونس- لم يتوقع أحد من التونسيين سواء الذين خرجوا في المظاهرات ضد حكم بن علي أو “النخبة السياسية” التي بقيت بمعزل نسبي عن ذلك الحراك، أن التحرك الشعبي العفوي الذي حصل بداية سنة 2011 يمكن أن يحمل التونسيين إلى ما أصبح يسمى الآن “مضاعفات الربيع العربي” وما يلاحظ اليوم، من إرهاب وانتشار غير مسبوق للتنظيمات المتطرفة والمتعصبة النابعة من الظرف السياسي الذي ساعد الإسلاميين بشكل عام وخاصة الإخوان المسلمين على الوصول إلى الحكم.

وبعد ثورة يونيو في مصر السنة الماضية تراجعت القوة السياسية للإسلاميين بشكل عام في الوطن العربي، ليكتشف الجميع أن التهديد الفعلي للانتقال نحو الديمقراطية كما أرادت الجماهير هو الإرهاب باسم الإسلام.

حذرت دراسة صادرة عن المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية بتونس من تعثر الانتقال الديمقراطي في البلاد ما لم يتم التعاطي بـ”جرأة وكفاءة” مع ظاهرة الإرهاب.

وقالت الدراسة إن الإرهاب قد يأتي على الأخضر واليابس لو وقع التهاون في معالجته من الناحية السياسية وإذا لم تكن هناك إرادة سياسية وكفاءة وجرأة في اتخاذ القرارات.

ويعود هذا التحذير الوارد في الدراسة إلى تعاطي بعض الحكومات السابقة مع ظاهرة الإرهاب التي انتشرت في تونس بشكل لافت بطريقة “متساهلة وكأنها ظاهرة اجتماعية عادية مثل الجريمة الجنائية أو انحراف سلوكي”.

مما سهل انتشار التنظيمات المسلحة بشكل خطير بعد أن نجحت القيادات الجهادية في استقطاب الشباب المتحمس والقيام بعمليات غسيل الأدمغة والدمغجة في إطار خلايا غير مكشوفة وعنقودية التنظيم، لم تنجح الأجهزة الأمنية التونسية في كشفها كلها وقطع منابع التمويل المالي واللوجستي عنها.

وأرجعت الدراسة الأسباب الأعمق في تفشي الإرهاب في تونس إلى “ما عاشته من انفلات أمني خطير ووجود مناخ حرية مفرط قد ساهم في انتشار نوع معين من الفكر الديني المتعصب، إضافة إلى ما شهدته بعض الدول المجاورة، في نفس الوقت، من أحداث دموية وانهيار تام لمؤسسات الدولة وبروز كبير لأنصار تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي”.

قد يأتي الإرهاب على الأخضر واليابس لو وقع التهاون في معالجته من الناحية السياسية قبل الأمنية

وتشير الدراسة إلى أن عمليات تسليم الأسلحة ودخول القيادات العليا لتنظيمات إرهابية تنتمي إلى تنظيم القاعدة (مثل تنظيم أنصار الشريعة الناشط في تونس وليبيا) تمت أغلبها عن طريق الحدود التونسية الليبية، بعد أن أصبحت ليبيا مساحة واسعة للصراع القبلي والميليشوي تحت شعارات دينية ومتطرفة للسيطرة على النفط والثروات والمواقع الاستراتيجية. وقد أجج الواقع الليبي انتشار التطرف والإرهاب في تونس نظرا لوجود تمويل كبير قادم من ليبيا بالمال والسلاح.

واعتبرت الدراسة أن الإرهاب تعزز في البلاد مع عودة العديد من الجهاديين المتورطين في أعمال إرهابية في الخارج إلى جانب الإفراج عن سجناء في قضايا إرهابية بموجب العفو التشريعي الذي صدر عقب الثورة في فبراير 2011. وشمل العفو زعيم تنظيم أنصار الشريعة سيف الله بن حسين (الملقب بأبي عياض) والذي نظم بعد أربعة أشهر فقط من خروجه من السجن مؤتمرا للتنظيم بمدينة القيروان التاريخية بحضور 20 ألفا من أنصاره.

ويعتبر بعض المحللين أن تساهل السلطة التونسية الجديدة التي كانت حركة النهضة الإسلامية على رأسها (وزارة العدل كانت لدى الوزير نور الدين البحيري الذي يعتبر من الصقور داخل الحركة الإسلامية)، هو السبب في إطلاق سراح عديد المتهمين في قضايا إرهابية حقيقية وقعت في السابق خاصة ما يعرف بـ”أحداث سليمان” التي راح ضحيتها جنود من الجيش الوطني التونسي وجرح مدنيين سنة 2006 قرب العاصمة التونسية.

وكانت السلطات التونسية قد حظرت أي نشاط لتنظيم أنصار الشريعة منذ أغسطس 2013 وصنفته تنظيما إرهابيا بعد أن أثبتت التحقيقات تورطه في الاغتيالات السياسية والتخطيط لأعمال إرهابية في البلاد. حيث وقع اتهام التنظيم في اغتيال السياسي اليساري شكري بالعيد ومن بعده عضو المجلس التأسيسي العروبي محمد البراهمي.

وقد تم قتل منفذ عمليتي الاغتيال كمال القضقاضي في وقت لاحق في ما سمي بـ”ليلة رواد” وهي واقعة تبادلت قوات الأمن التونسي النار فيها مع إرهابيين يتحصنون في منزل بضاحية رواد بالعاصمة.

ويلاحق الجيش وقوات الأمن التونسية أنصار التنظيم الناشطين ضمن كتيبة عقبة بن نافع المتمركزة أساسا في جبل الشعانبي غرب تونس على مقربة من الحدود الجزائرية وعدة مناطق أخرى في الجبال والمرتفعات على الحدود. ومنذ إبريل من العام الماضي سقط العشرات من رجال الأمن والجيش جراء ألغام زرعها الإرهابيون وفي كمائن وهجمات مباغتة في الجبال.

وقد أوضحت الدراسة أن ظاهرة الإرهاب تطورت بنسق سريع واتخذت أشكالا جديدة وغيرت من طرق عملها ونجحت في استقطاب الشرائح الاجتماعية الأكثر حساسية وهي الشباب وحتى القصر في بعض الأحيان، بواسطة خطاب ديني متعصب يبث الفتنة ويحرض على الكراهية. وهذا ما يعتبره كل المتخصصين في تحليل هذا الظاهرة “التهديد الأبرز والأخطر على الانتقال الديمقراطي” الذي يطمح إليه التونسيون.

السبب المباشر للإرهاب هو الانفلات الأمني الخطير ووجود مناخ حرية مفرط ساهم في انتشار التعصب

فقد أصدرت المجموعات الإرهابية في أكثر من مناسبة بيانات وفيديوهات مصورة تهدد فيها التونسيين إذا خرجوا في مظاهرات أو قاموا باعتصامات ضد حكومة النهضة في ذلك الحين، وأغلب الذين تورطوا في تلك المنشورات موقوفون حاليا بتهم تتعلق بالمشاركة في التنسيق مع خلايا إرهابية مسلحة، ولعل أهم تلك العناصر تنتمي إلى ما يسمى بـ”روابط حماية الثورة” التي تنفذ أجندة الإسلاميين والمجموعات المتطرفة.

وكانت الحكومة المؤقتة الحالية اتخذت حزمة من الإجراءات عقب الهجوم الإرهابي الدموي الذي أوقع 15 قتيلا في صفوف الجيش بجبل الشعانبي في منتصف يوليو الماضي بهدف تطويق منابع الإرهاب.

وعلقت حكومة المهدي جمعة نشاط العشرات من الجمعيات الإسلامية الخيرية ذات التمويل المشبوه وأغلقت مساجد منفلتة وغير مرخص لها كما أغلقت مؤسسات إعلامية متهمة بالترويج للخطاب الديني المتشدد والتحريض على العنف.

ويعتبر إقرار الأمن ومعالجة الإرهاب أولوية مطلقة في عمل الحكومة الحالية التي تستعد لتنظيم انتخابات حاسمة بدءا من 26 من الشهر الجاري ستنقل البلاد إلى وضع المؤسسات الدائمة بعد أكثر من ثلاث سنوات من الانتقال الديمقراطي.

ولكن تبقى التحذيرات عديدة سواء في الدراسة الصادرة عن المركز الدولي للدراسات الأمنية والعسكرية التونسي أو من قبل خبراء في الشأن الأمني وفي الجماعات الإسلامية من أن الانتخابات المنتظرة يمكن أن تشهد هجمات عنيفة من قبل الإرهابيين لخدمة مصالح قوى داخلية ودولية.

13