في انتظار البرابرة

السبت 2013/09/07

كما لو أن المدن العربية التاريخية كانت موعودة بين حقبة وأخرى بالخراب. لن يبقى حجر على حجر أكثر من بضعة عقود ثم يعود كل شيء ترابا.

لا بيوت ولا حدائق ولا شوارع ولا أرصفة ولا أروقة ولا قصور ولا صالات فن ولا مساجد ولا قاعات موسيقى ولا مدارس ولا مختبرات ولا كنائس ولا مسارح ولا صالات سينما ولا مصانع ولا مراكز بحوث ولا مستشفيات. هناك دائما برابرة قادمون، علينا أن ندفع ثمن رغبتهم في تدمير مدننا وإبادتنا.

في عصرنا الراهن سبقت بيروت المدن العربية الأخرى إلى خرابها حين اجتاحها البرابرة عام 1982 لتلتحق بها بغداد عام 2003، حين لم يكتف البرابرة بغزوها وتدميرها بل سلّموها إلى العصابات الطائفية لتعيث بمستقبلها فسادا.

في طريقهم إلى بغداد مرّ البرابرة بالبصرة لينجزوا خرابها الجديد. وكانت طريقهم سالكة إلى بابل، المدينة التاريخية التي ظلت عيونهم ترنو إلى خرابها مئات السنين.

اليوم تقف دمشق، عاصمة الأمويين هلعة في انتظار البرابرة. غير أن الطريق إلى دمشق لم تكن سالكة لولا الخراب الذي حل بمنافستيها في الجمال والهيبة والرقة؛ حلب وحمص.

سيقال كنا نحن مَن مهد للبرابرة الطريق. سيقال إن الأنظمة السياسية العربية بفسادها ووحشيتها وقسوتها وسلوكها العبثي هي التي استدعت البرابرة. البرابرة لا يحتاجون إلى ذريعة. الآن صار الأميركيون يعترفون أنهم قاموا بغزو العراق مستندين إلى أكاذيب، كانوا قد اخترعوها بأنفسهم. كما أن جنس البرابرة لم يعد مهما.

في الشاشات رأينا البرابرة يجلسون متأنقين وهم يتحدثون بهدوء عن مشروعهم النظيف لتدمير دمشق.

سيكون الأمر على شكل ضربات جراحيّة دقيقة تقوم بها أسلحة ذكية تصيب أهدافها بدقة من غير أن تلحق ضررا بالمدنيين. لا فرق بين كيري وكولن باول.

لم يعترف باول إلا بعد سنوات أنه كان يكذب حين قدم في مجلس الأمن وثائق مزيفة تدين العراق وتبرر القيام بغزوه واحتلاله وتدمير دولته وإبادة شعبه. كان هو الآخر قد تحدث عن عمليات قتالية لن تصيب المدنيين بضرر. فكانت النتيجة أن سقطت من العراقيين مئات الألوف من القتلى.

الآن يؤجل كيري اعترافه بأنه يكذب. يدرك البرابرة أنهم ضروريون لنا.

قبل أكثر من عشر سنوات رحب عراقيون بالبرابرة، بل إن أحدهم كان قد وصف قصف بغداد بالصواريخ بالسيمفونية الرائعة. بعد سنوات ظهر الشخص نفسه في لقاء تلفزيوني وهو يبكي ضياع بغداد.

ألم تعش بغداد الحكاية نفسها قبل قرون مع برابرة آخرين، كانوا قادمين من الشرق؟

اليوم لا يشعر سوريون بالقلق وهم يتغزلون بالضربة التي سيوجهها البرابرة إلى بلادهم. ستكون خاطفة ودقيقة بما يكفي لإسقاط النظام الذي جعل من خلال سياسته الداخلية مجيء البرابرة أمرا مطلوبا، بل ومحببا إلى قلوب السوريين. ولكن هل علينا أن نصدق أن البرابرة يُقبلون بسبب شغفهم بنا؟

هل ستكون دمشق أعز على قلوب البرابرة من بغداد؟

لقد اختفى كثير من عشاق الغزو والاحتلال الأميركي من المشهد العراقي، بعد أن أنجزوا ما هو مطلوب منهم. وكما أرى فإن عشاق الضربة الأميركية من السوريين سيختفون هم أيضا، لكن بعد أن يكونوا قد أنجزوا جريمتهم.

سيقال إن المشكلة ليست في البرابرة، بل هي في ثقافتنا التي تجعل قدوم البرابرة أمرا ممكنا.

وإلا لمَ لا يجرؤ البرابرة على الذهاب إلى مدن تاريخية أخرى وتدميرها؟ لمَ تستهويهم إبادتنا من دون شعوب العالم الأخرى؟ وهو قول صحيح.

يتحمل الجميع المسؤولية. النظام كما المعارضة. فالإثنان ينطلقان من ثقافة لا وطنية، تستعمل الوطن شعارا وتستهين بحقوق المواطنة التي يكون الوطن مغيبا من دونها.

فوطن من غير مواطنين حقيقيين هو مجرد أرض لا يتردد البرابرة في غزوها وتدمير ما تحمله من شواهد إنسانية.

لذلك فإذا كنا حريصين على أن لا نقف بين حقبة وأخرى في انتظار البرابرة، فعلينا أن نعيد النظر في ثقافتنا التي جعلتنا الأمة الوحيدة على الأرض التي لا يجد البرابرة حرجا في إبادتها.


كاتب عراقي

9