في انتظار البرابرة

الروائي الفلسطيني، ظل يراوح في مربع وصف العدو، ومعاناة ضحاياه ومفارقات حياته المضنية. لم يجرؤ واحد على الخوض في دواخل نفس المستبد الكريه، جلاّب البرابرة، الذي لا يحس بحاجة الأطفال إلى الغذاء.
الأحد 2018/09/09
إحكام الإقفال على سجن غزة

هذا هو عنوان الرواية التي رفعت أسهم جون ماكسويل كويتزي وجعلته يحصل على جائزة نوبل للآداب، قبل وبعد فوزه مرتين، بجائزة البوكر البريطانية للقصة.

فالرجل جنوب أفريقي أبيض، من أصل هولندي، تأسست لأسرته امتيازات البيض في نظام الفصل العنصري، لكنه تقصى الدواخل النفسية للمستبد الأبيض، لكي يعرف هل هو راض وسعيد وهو يرفع بحبوحته فوق دمار حياة الآخرين. وكويتزي بلا انتماء سياسي وإن كان يُحسب على اليسار بحكم مضامين أعماله!

كان التضليل الإمبريالي، بمنطق الوعود، حسب أدبيات الإستشراق، يتحدث عن يد بيضاء تأتي من بعيد، لكي تساعد البشر المتخلفين على أخذ دروب التحضر.

ومع تنامي الوعي بضرورات الاستقلال الوطني، تبدلت أشكال الوصاية وتغيرت صيغ التعبير عن مقاصدها، وظهرت مفردات التنمية الاجتماعية والبشرية، وقامت المؤسسات التي امتشقت مسميات إنسانية ودولية، لكي تضبط مسارات المصائر الاقتصادية وخيارات الدول المستقلة، في اتجاه يلائم سياسات المستعمر الجديد، وظل الغرب يصنّف نفسه في أعلى درجات الحضارة التي تؤهله لأن يمتلك في الجوهر، سلطة قيادة الشعوب للارتقاء على درجات السلم الذي حدد هو سقفه وعدد درجاته.

وفي السياقات كلها، جرت محاولات تزييف الوعي للناس من الشعوب الفقيرة، وتحويل أيديولوجية المستعمر ومقاصده إلى مكرمة بشرية نبيلة، يقدمها الأغنياء للفقراء ويجود بها المستريحون للمأزومين.

اليوم، للأسف، عندما أنتج الاستبداد المحلي كل المآسي الطافحة في مشهد الشرق الذي ركز عليه المستشرقون منذ قرون، وتناولوا أمره بمنطق استعلائي وعومل فيه كل شعب كطفل قاصر شقي، عاد “المتحضرون” لكي يطرحوا أنفسهم منقذين للشعوب من نفسها ومن وحوش تحكمها أو إرهابيين يختطفونها، ليصل الأمر إلى الحد الذي تجرأ فيه رئيس أميركي، لا هو حسن النية حيال الشرق أو الغرب، على طرح نفسه كشخص مهموم على مصير الأبرياء في إدلب. في الوقت نفسه، يجري إحكام الإقفال على سجن غزة، وجعله مشتلا لزراعة الغضب والتطرف، وصولا إلى لحظة يتوسل الناس فيها، فتح بطن المكان، لكي يحصلوا على النذر اليسير من الأوكسجين والخبز وأقراص الدواء!

الروائي الفلسطيني، ظل يراوح في مربع وصف العدو، ومعاناة ضحاياه ومفارقات حياته المضنية. لم يجرؤ واحد على الخوض في دواخل نفس المستبد الكريه، جلاّب البرابرة، الذي لا يحس بحاجة الأطفال إلى الغذاء. كأن لا دواخل نفسية مشوهة، للمستبد، وللقاضي والسياسي الضال، الذي يخدم سيده الغاشم. لا يفعل الروائي المحلي، ما فعله كويتزي، بعمله في انتظار البرابرة!

24