"في انتظار الهمج": هم ونحن

رؤية سينمائية لرواية أدبية للكاتب الجنوب أفريقي جون ماكسويل كويتزي استلهمت بدورها من قصيدة لشاعر الإسكندرية الأشهر.
الأحد 2019/10/13
القاضي والجلاد: ثنائية الوعي والظلم

من الأفلام التي تعرض في الدورة الـ63 من مهرجان لندن السينمائي، فيلم “في انتظار الهمج” للمخرج الكولومبي سيرو غيرا (38 سنة) الذي يعرفه جمهور المهرجان من أفلامه السابقة التي شاركت من قبل في المهرجان مثل “رحلات الريح” و”عناق الأفعى” و”الطيور العابرة”.

جاء المخرج الكولومبي الموهوب سيرو غيرا (Ciro Guerra) إلى السينما بمشروع جمالي يقوم على الجمع بين إعادة الاعتبار إلى الثقافة الشعبية الكولومبية، ثقافة القبائل الأصلية، والكشف عن العلاقة المعقدة بين الغازي والخاضع، المستعمِر (بكسر الميم) والمستعمَر (بفتح الميم)، وبين “الأنا” الاستعلائية ذات النزعة المتفوقة “الأورو- أميركية”، و”الآخر” الذي يشمل كل ما هو خارج التصنيف الأورو- أميركي.

بلغ سيرو غيرا أقصى درجات التعبير عن هذه الفكرة المركبة التي تقوم على احترام الموروث الشعبي، الأسطوري، الموسيقي، الفولكلوري، وتغييب الأوروبي/ المستعمر/ الرأسمالي الاحتكاري، القادم من الخارج لهذه الثقافة، في فيلمه البديع “عناق الأفعى” (2015)، ثم استكمل بحثه الشاق في هذه العلاقة الملتبسة في فيلمه التالي “الطيور العابرة”.

يتميز أسلوب سيرو غيرا بالانطلاق إلى الطبيعة؛ الجبال والصحراء، والتسلل إلى القرى والتجمعات التي يعيش فيها السكان الأصليون منذ قرون، والمزج بين الممثلين المحترفين وغير المحترفين من الأهالي أنفسهم وإشراكهم في قلب الفيلم، واستدعاء علاقاتهم الراسخة في أعماقهم بالموروث والتراث والأسطورة والروحانيات والتعبير عنه أمام الكاميرا من خلال مواقف محددة يجيد تصميمها هذا المخرج الموهوب. إنه يخلق “عالمه” السينمائي الموازي للواقع، باستخدام الشاشة العريضة، واللقطات الطويلة البعيدة، والألوان الصريحة: البرتقالي والأصفر والأحمر والأسود، وحركة الكاميرا التي تبدو كما لو كانت تتسلل في هدوء وبطء بشكل خفي لا نشعر به، لكي ترصد دون أن تزعج تلك الطبيعة الساكنة الراسخة، مع استخدام حريص حذر للموسيقى الشعبية الصادرة عن الآلات التقليدية.

سيرو غيرا يصبح في أفضل أحواله عندما يتعامل مع تلك البيئة التي يعرفها جيدا، ويعرف سكانها ويفهم تقاليدهم ويحترم تاريخهم. ولكنه في فيلمه الروائي الطويل الخامس “في انتظار الهمج” (Waiting for the Barbarians)، (من الإنتاج الإيطالي- الأميركي المشترك)، يستند للمرة الأولى إلى أصل أدبي (أجنبي)، دون أن يغادر البيئة التي يحبها ويفهمها أو يعيد خلق رؤيته في بيئة مماثلة، ودون أن يتخلى عن موضوعه الأثير الذي يتطلع من خلاله إلى سبر زاوية جديدة في العلاقة بين المستعمر والسكان الأصليين؛ ليس مهمّا مَن هم أو مِن أين هم.

الأصل الأدبي هو رواية بالعنوان نفسه، صدرت عام 1980 للكاتب الجنوب أفريقي جون ماكسويل كويتزي (الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 2003). وقد كتب كويتزي سيناريو الفيلم عن روايته، وهي مشكلة أخرى ربما تكون قد تركت تأثيرا سلبيا على فيلم سيرو غيرا المعروف بأنه يكتب -عادة- سيناريوهات أفلامه بنفسه، فقد حاول كويتزي ترجمة صفحات الرواية كما هي، إلى لغة الشاشة، ليس فقط كأحداث ومواقف تحمل مغزى رمزيا كامنا أو ظاهرا، بل واستخدام أسلوب السرد الذي يقوم على رواية الأحداث من وجهة نظر الشخصية الرئيسية في الرواية، في فصول تتعاقب تحت أسماء فصول السنة الأربعة بدءا من الصيف، دون أن ترتبط هذه الفصول بما نشاهده تماما.

من هم الهمج؟ هذا السؤال "الفلسفي" مطروح بوضوح في الفيلم؟ يطرحه «البطل المهزوم» أو الشخصية التراجيدية الحائرة
من هم الهمج؟ هذا السؤال "الفلسفي" مطروح بوضوح في الفيلم؟ يطرحه "البطل المهزوم" أو الشخصية التراجيدية الحائرة

استلهم كويتزي روايته من قصيدة الشاعر اليوناني- الإسكندري كونستانتين كفافيس (Kavaphes) التي تحمل العنوان نفسه. وهي قصيدة طويلة من أجمل ما يمكن أن يقرأه المرء. وقد ترجمها إلى الإنكليزية ريتشموند لاتيرمور (Richmond Lattirmore) عام 1955. وأكتفي هنا بترجمة الأبيات الأولى منها فقط لكي نضع القارئ داخل “القماشة الفكرية” للفيلم.

لماذا نتجمع هنا وننتظر في ساحة السوق؟/ لأن الهمج سيكونون هنا اليوم/ لماذا لا يحدث شيء في مجلس النواب؟/ لماذا ينعقد المجلس دون أن يصدر النواب القوانين؟/ لأن الهمج سيأتون اليوم/ لماذا لم يعد النواب يصدرون القوانين؟/ الهمج سيصدرونها عندما يأتون/ لماذا نهض إمبراطورنا مبكرا/ وجلس عند أكبر بوابة وتاجه فوق رأسه؟/ لأن الهمج سيأتون اليوم/ والإمبراطور ينتظر أن يستقبلهم/ البطل التراجيدي الحائر//.

من هم الهمج؟ هذا السؤال “الفلسفي” مطروح بوضوح في الفيلم؟ يطرحه “البطل المهزوم” أو الشخصية التراجيدية الحائرة التي لا تجد لها مكانا وتعجز عن الانتماء إلى “الهمج” المفترضين أي السكان الأصليين، كما يشعر بالاغتراب التام عن أولئك الذين يمثلهم ويحكم طبقا لـ”قوانينهم” وهم من يعتبرون أنفسهم “حماة الحضارة” أو طلائع المستعمر في أراضي ذلك “البلد الآخر”، جاؤوا للقضاء على الهمجية ونشر الحضارة (البيضاء) وإن لم ينفع تطويع السكان الأصليين أو “الهمج البرابرة” بالعنف والإرهاب، يصبح القضاء عليهم وإبادتهم الاختيار المحتم.

يتسق اختيار سيرو غيرا لهذه الرواية مع اهتمامه الخاص بطبيعة العلاقة بين المستعمر القادم من خارج الجغرافيا والثقافة لا يمكنه أن يفهم تقاليد السكان ولا لغتهم ولا أعرافهم فيشطب عليهم باعتبارهم مجرد “برابرة” أو همجيين، وبين ثقافة السكان الأصليين وكيف تتعرض لغزو “بربري” بدعوى نشر التحضر.

تجريد المكان

يتعمد سيناريو الفيلم تجريد المكان تماما. فنحن لا نعرف أين تدور الأحداث. لدينا موقع متقدم في وسط الصحراء أقامه المستعمر على أطراف إمبراطوريته. على مقربة منه قبائل من السكان الأصليين من سكان الجبال. صور الفيلم في المغرب وإيطاليا. وهناك اختلاط في الممثلين الثانويين الذين يظهرون في الفيلم، بين المغاربة والمغوليين وغيرهم. واللغة التي يتكلمها “الهمج” هي اللغة المنغولية. أما الزمان فيبدو أوائل القرن العشرين. وتجمع الملابس التي يرتديها رجال شرطة الغزاة المستعمرين بين ملابس الجيش الإيطالي في زمن موسوليني، وملابس الجيش الفرنسي في زمن احتلال بلدان المغرب العربي.

عدم تحديد المكان والزمان مقصود، وكأن غيرا يقول لنا إن المستعمر كان كذلك دائما في كل زمان ومكان، وكانت علاقته هكذا بالسكان الأصليين في كل بلد، وليس مهمّا تحديد البلد في كولومبيا مثلا، فيمكن أن تكون الصحراء عربية مثلا. وهو تمويه مفهوم ومقبول تماما ولا يخلق مشكلة في متابعة الفيلم بسلاسة. صحيح أن غيرا يسبح خارج محيطه التقليدي وسط القبائل الكولومبية، لكنه في الوقت نفسه يتمسك بموضوعه الأثير.

ربما تكمن المشكلة الرئيسية في كونه يتعامل للمرة الأولى مع ممثلين (من نجوم السينما العالمية) وأن فيلمه ناطق في معظمه باللغة الإنكليزية. فلدينا هنا جوني ديب وروبرت باتنسون وغريتا سكاكي. أما الدور الرئيسي فقد أسنده إلى الممثل البريطاني مارك ريلانس (يتذكره القارئ من فيلم “جسر الجواسيس” حيث قام بدور الجاسوس الذي كان يعمل داخل بريطانيا). ريلانس يقوم هنا بدور قاضي (لا اسم له سوى القاضي) وهو الحاكم “المدني” لتلك المنطقة.

القاضي.. شخصية تراجيدية حائرة
القاضي.. شخصية تراجيدية حائرة

لكنه لا يعرف لغة السكان الأصليين. وهو يحتفظ لديه بمجموعة نادرة من القطع الخشبية التي حفرت عليها رسوم وعبارات باللغة المحلية القديمة، درب نفسه على ما يبدو لكي يفك شفرة البعض منها، لكنه لا يزال عاجزا عن فهم مغزاها تماما. إن هذا العالم “القديم” يبدو أمامه لغزا مستغلقا وكلما حاول فك ألغازه واجهته معضلة أخرى. هذا “القاضي” رجل طيب، يميل إلى السلم، يقيم العدل طبقا لما تعلمه، لا يحمل أي تعصب تجاه السكان، تخدمه سيدة تحاول مداعبته وإغوائه (دور صغير للممثلة الإيطالية من الثمانينات غريتا سكاكي) لكنه لا يلتفت إليها. يهبط على الموقع فجأة ضابط شرطة هو الكولونيل جول (جوني ديب) محاطا بمجموعة من العسكر.

هذا الكولونيل أُرسل من قبل رؤسائه في الدولة الاستعمارية المجهولة، هدفه كشف خيوط مؤامرة مزعومة يدبرها سكان الجبال الذين يصفهم بـ”الهمج”، لضرب الوجود الاستعماري وإشاعة الفوضى والعنف. ولكن “القاضي” لا يرى ذلك قط، بل يستبعد تماما وجود مثل هذه الخطة. يمضي جول مع عساكره يعتقلون العشرات من أهالي المنطقة ويقومون بقيادة الضابط “ماندل” مساعد جول (روبرت باتنسون) “بالتنكيل بهم وتعذيبهم تعذيبا شديدا يصل إلى فقء العيون وقطع الأيدي، لانتزاع الاعترافات. يعترض القاضي على هذا العنف لكن جول يؤكد له أنه من دون ألم تغيب الحقيقة. وفي لحظة ما يتساءل القاضي: من هم الهمج؟ ربما نكون نحن. ربما نكون أعداء أنفسنا!

ينجذب القاضي بشدة إلى فتاة من السكان الأصليين. هذه الفتاة تعرضت للتعذيب إلى أن فقدت النظر تقريبا. وهي تعرف بعض الإنكليزية. ينقذها القاضي ويتبناها ويعرض عليها أن تعمل لديه، ويقوم في أحد المشاهد بغسل قدميها وتقبيلها، وكأنه يكفر عن ذنوب أقرانه بهذا التواضع أو “التكفير” المسيحي عن الذنب. وهي تقبل أن تعاشره وتشاركه الفراش لكنه يظل عاجزا عن اختراق عقلها والتسلل إلى روحها. إنها تظل كيانا غامضا عليه تماما مثل قطع الأخشاب المحفورة القديمة. وعندما تعرب له عن رغبتها في العودة إلى أهلها وأن مكانها الطبيعي هناك، يخرج القاضي في قافلة صغيرة مع مساعديه لإعادتها إلى قبيلتها.

يعود القاضي فيجد نفسه متهما من جانب الكولونيل جول بالخيانة والاتصال بالأعداء فيقبضون عليه ويتعرض للتعذيب الشديد والتجريد من وظيفته والإهانات المتصلة، ويلقون به في السجن بعد تدمير مكتبته العامرة بالكتب، ويخضع لاستجوابات فظة. هل سيستمر هذا الوضع؟ أليست القاعدة تقول إن العنف يولد العنف.

أفكار وإشارات

هناك الكثير من الأفكار المعاصرة عن العنف وإرهاب القوة والسلطة وشيطنة “الآخر” واضطهاد الذي يطالب بالحرية، داخل نسيج الفيلم. ولا شك أنها تجول بأذهاننا وهذه المشاهد تتعاقب علينا. تبدو تارة ذات طبيعة مسرحية: تعتمد على حركة الممثلين داخل ديكور محدود وعلى الحوار، وتارة أخرى تتميز بسينمائية عالية خاصة في المشاهد الخارجية التي يبرز فيها أسلوب غيرا المعروف؛ حيث اهتمامه بالتكوين واللقطات البعيدة والإيقاع البطيء ذي النفس الملحمي، وحركة الكاميرا الهادئة، والصور الخلابة للطبيعة من خلال عدسة واحد من أعظم مديري التصوير في العالم، الإنكليزي كريس منغيز (Chris Menges)؛ (مصور أفلام “حقول القتل” و”مايكل كولينز” و”القارئ”)، مع النغمة الموسيقية المعبرة التي وضعها الإيطالي كيامبيرو أمبروسي وتتناغم مع طابع الفيلم وأسلوبه من دون مغالاة.

توفرت لسيرو غيرا ميزانية جيدة سمحت ببناء موقع يزخر بالحيوية ويتميز بملامح أصيلة مع اجتهادات خاصة تبرز الفرق بين غرف وأقبية التعذيب (التي كانت متاجر يستخدمها السكان) وبين مقر القاضي المجلل بالغموض، تنتشر فيه أرفف الكتب. وقد تعاون في صنع الصورة البديعة التي جاء عليها الفيلم، طاقم فني محترف إلى جانب مدير تصوير كبير؛ مهندس المناظر ومنسقها وإعادة تطويع المواقع للصورة المرسومة في ذهن المخرج عن المكان كما يريده، وتصميم الملابس حيث تضفي القسوة والشدة والعنف على شخصيات العسكر (الملابس السوداء) مقابل الملابس البسيطة المتواضعة البيضاء التي يرتديها القاضي، مع ابتكار نظارات سوداء مستديرة يحملها الكولونيل الفظ جول، فتضفي عليه ملامح شيطانية بشعة، بينما هو يبرر للقاضي أنه يضعها على عينيه لكي تحمي جفونه من التجاعيد بفعل ضوء الشمس.

لا شك أن “في انتظار الهمج” كان أقل سحرا من أفلام سيرو غيرا السابقة، ورأيي الشخصي أن وجود النجوم في الفيلم دون حاجة إلى وجودهم أصلا، قد لعب دورا في انفلات السيطرة في بعض أجزاء الفيلم رغم أنه يجب الإقرار أن جوني ديب بذل جهدا كبيرا لكي يبدو مقنعا بل ومرعبا في دور جول، كما بدا مارك ريلانس قديسا غريبا عن المكان وما يحدث فيه، فغاب الاقتناع بأنه ينتمي إلى نفس الفئة الظالمة المتوحشة التي تسيطر على “الهمج”.

15