في انتظار انتخابات الكنيست

من حيث التوقعات فإن اليمين القومي والديني سيعزز حكمه وسيواصل رسم سياسات إسرائيل الداخلية والخارجية، وربما بطريقة أكثر تطرفا من ذي قبل، وخاصة مع ظروف دولية مناسبة.
الاثنين 2019/01/14
نتنياهو سيغدو في حال نجاحه أكثر شخص شغل منصب رئيس للحكومة في تاريخ إسرائيل

تستعد إسرائيل لانتخابات الكنيست الـ21، وهي انتخابات مبكّرة، ستجري قبل موعدها بستة أشهر، وذلك بعد انفضاض عقد الائتلاف الحكومي الذي تتشكّل منه حكومة بنيامين نتنياهو، مع استقالة وزير الدفاع أفيجدور ليبرمان، زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” في نوفمبر الماضي، ورفض نتنياهو إسناد تلك الوزارة لنفتالي بنيت رئيس حزب البيت اليهودي، الأمر الذي أدى إلى تصدّع الائتلاف بخاصة بعد فشل التوصل إلى صيغة لإقرار قانون التجنيد الذي يلزم اليهود المتطرفين المتدينين (الحراديم) بتأدية الخدمة العسكرية الإلزامية، الذي تعارضه الأحزاب الدينية، مثل يهوديت هتوراه وشاس والبيت اليهودي. علما أن الائتلاف الحاكم يضم الأحزاب التالية ليكود، ويش عيتيد (هناك مستقبل) وإسرائيل بيتنا، والبيت اليهودي، وشاس، ويهوديت هتوراه، وكان يضم 67 عضوا في الكنيست من 120 عضوا، وهو ائتلاف يضم اليمين القومي والديني. تكتسب هذه الانتخابات أهميتها من عدة جوانب، يتمثل أهمها في:

أولا البت بمصير نتنياهو الذي سيغدو في حال نجاحه في الانتخابات وتكليفه تشكيل حكومة جديدة، بمثابة الشخص الذي مكث أطول فترة كرئيس للحكومة في تاريخ إسرائيل، حتى أكثر من دافيد بن غوريون، الذي ترأس حكومة إسرائيل لفترتين لمدة 13 عاماً (الأولى من 1948 إلى 1953، والثانية من 1955 إلى 1963)، في حين تبوأ نتنياهو ذلك المنصب للمرة الأولى من 1996 إلى 1999، والثانية من 2009 حتى الآن..

ثانياً، ستحسم هذه الانتخابات مصير حزب العمل، وريث حزب الماباي، الذي باتت مكانته إلى انحسار مضطرد، وهو الحزب الذي أسس لوجود إسرائيل وطبعها بطابعه، حتى أواخر السبعينات، إن كممثل لليهود الاشكناز (الغربيين)، أو كممثل للاشتراكية الديمقراطية، حيث صعد الليكود، أي أن هذه الانتخابات ستكشف تحولات الخارطة السياسية الإسرائيلية التي ظلت مؤخرا تنحو نحو اليمين وتغادر مواقع الوسط، كما ستكشف وزن الأحزاب الدينية، والأحزاب ذات الطابع الإثني، مثل “إسرائيل بيتنا” لليهود الروس، و“شاس” لليهود الشرقيين.

ثالثا تأتي هذه الانتخابات في ظروف سياسية على غاية من الأهمية، من ضمنها جمود عملية التسوية مع الفلسطينيين، وانزياح إسرائيل بقيادة الليكود لتقويض اتفاق أوسلو نهائيا، عبر استعادة سيادتها وإن غير المباشرة على الأراضي الفلسطينية، وفرض برنامجها بشأن إعطاء الفلسطينيين كياناً يتأسس على الحكم الذاتي فقط، للسكان وليس الأرض، أي أن الليكود في ذلك يطبق برنامجه بخصوص تكامل الأرض، المختلف عن حزب العمل، الذي يتعلق بتكامل الشعب، والحفاظ على يهودية الدولة، والتخلص مما يسميه الخطر الديمغرافي.

رابعا بعد إجراء الانتخابات ستكون الحكومة الإسرائيلية الجديدة متماشية مع مخططات الإدارة الأميركية، بخصوص تمرير ما بات يعرف بـ”صفقة القرن”، وهي كناية عن فرض تسوية ما على الفلسطينيين من طرف واحد، دون السماح بإقامة دولة فلسطينية ذات تواصل إقليمي، ومع وضع متميز لقطاع غزة، والسعي لإقامة علاقات طبيعية بين إسرائيل والدول العربية.

لذا من حيث التوقعات فإن اليمين القومي والديني سيعزز حكمه وسيواصل رسم سياسات إسرائيل الداخلية والخارجية، وربما بطريقة أكثر تطرفا من ذي قبل، وخاصة مع ظروف دولية مناسبة، سيما بحكم وجود إدارة من نمط إدارة دونالد ترامب، وبحكم حال الاضطراب في المشرق العربي.

ما يفترض ذكره هنا أن الانتخابات الإسرائيلية هي علامة على حيوية السياسة الإسرائيلية، وعلى قدرة الدولة والأحزاب في إسرائيل على إدارة الخلافات بطريقة ديمقراطية، وبطريقة تعزز الاستقرار السياسي والاجتماعي في إسرائيل. وطبعا، فإن الحديث عن الانتخابات الـ21 في تاريخ دولة إسرائيل منذ قيامها، أي في غضون 70 عاما، يعني أن هذه الدولة شهدت انتخابات دورية منتظمة بمعدل 3.5 سنة في كل مرة (فترة الكنيست أربعة أعوام)، أي أنها لم تؤجل الانتخابات ولا مرة، رغم كل الظروف المحيطة بها، بل إنها ذهبت حتى إلى انتخابات مبكرة لمعالجة أية إشكاليات داخلية فيها وهو ما يحتسب لصالحها.

المعنى أن إسرائيل دولة استعمارية واستيطانية وعنصرية تتغطى بالدين لتبرير سياساتها ولجلب المستوطنين اليهود إليها، لكنها رغم ذلك تستخدم أنسب الطرق لحسم الخلافات السياسية وتعيين التوازنات الداخلية فيها، وهو ما يميزها عن الأنظمة السائدة في هذه المنطقة في العالم.

9