في انتظار خيارات فلسطينية أخرى

الجمعة 2014/07/25

يدفع أهل غزة ضريبة دم باهظة جراء تحوّل القطاع إلى ميدان نفوذ إقليمي يتم تبادل اللكمات من داخله. ولئن كانت النار إسرائيلية، فإن إدارة أزمة القطاع السابقة واللاحقة للحرب الحالية تمليها عدوانية إسرائيلية معروفة، وارتباط القطاع بأجندة تتجاوز حدوده. أمر ذلك حوّل “القضية” لبسا يقتات من تناقضات العرب الداخلية ومصالحم.

إسرائيل معنية بأن تكون لها دائما الكلمة الفصل في شأن ما يدور وسيدور على كامل أراضي فلسطين التاريخية. الصراع مع الفلسطينيين هو مسلّمة عند الإسرائيليين في سبيل الهيمنة السرمدية على كل صغيرة وكبيرة في يوميات الفلسطينيين. وفق ذلك تعمل الماكينة الإسرائيلية في الضفة اعتقالا وملاحقة، وفي قطاع غزة حربا وتنكيلا، وفي أراضي الـ1948 اضطهادا وقمعا.

الفلسطينيون هم أكثر من خبروا تلك اللعنة التي لاحقتهم حتى في الشتات. وهم يدركون أن وجودهم وبقاءهم هو نقيض مقلق لوجود وبقاء إسرائيل. الإسرائيليون أنفسهم لا يكتمون ذلك، ويجاهرون، في مؤتمراتهم التي تُعنى بشؤون الأمن، أن الخطر الحقيقي على أمن دولتهم الاستراتيجي ليس برنامجا نوويا عسكريا إيرانيا، بل تلك القنبلة الديمغرافية الفلسطينية، وذلك الإصرار الفلسطيني على تذكير الإسرائيليين بالجريمة التاريخية التي ارتكبوها في حقهم.

في ذلك أن لا طائل بالنسبة لنا من إعادة اكتشاف إسرائيل، وادعاء الاندهاش بما يمكن أن تذهب إليه ضد الفلسطينيين، منذ مأساة عام 1948، مرورا بحروب تلو أخرى لاحقتهم في الأردن ولبنان، تعريجا على مسلسل الاغتيالات التي طالت قادتهم في بلدان الشرق كما الغرب، انتهاء بالكوارث التي أوقعتها في الأراضي الفلسطينية منذ أوسلو. والمأساة الأكبر ألا نعرف عدونا ونكرر دون كلل نفس الوسائل الآيلة، دائما، إلى كوارث.

في الجدل حول قبول حماس أو رفضها المبادرة المصرية لذلك، تلوح أسباب ومبررات مستوردة من خارج حدود القطاع. في ذلك أن أمر وقف الحرب حسب رؤى مصر- السيسي (وهي نسخة طبق الأصل عن رؤى مصر- مرسي)، يلقى تحفظا حمساويا متأثرا على الأغلب بمناكفة إقليمية لمصر وليس لمبادرتها. لكن في المقابل لا شيء يوحي أن إسرائيل ستوافق على ما قيل أنه مبادرة قطرية- تركية، وبالتالي فإن العلة إسرائيلية بامتياز، ولا طائل من تحميل أنفسنا، عربا وفلسطينيين، سلطة وحماس، مسؤولية المجزرة الظالمة التي تقترفها إسرائيل.

للفلسطينيين أن يقاوموا، وهم الوحيدون الذين لم يتوقفوا عن المقاومة، بعد أن سكتت مقاومة كل العرب، معتدلين وممانعين، أنظمة وأحزاب وتيارات ومجاهدين (سنّة وشيعة). لكن على تلك المقاومة بطبعتها العسكرية أن تحاكي شروط العالم وقواعد عمله وتعدد مشاربه. وعلى تلك المقاومة أن تكون جزءا، لا كلا، من جهد عملاق يقارب لعبة الأمم واستحقاقاتها. ثم أخيرا، يجب على تلك المقاومة أن تحظى بسقف فلسطيني جامع، وبغطاء عربي صلب، وبمظلة إقليمية واقية، ولما لا برعاية شبه دولية متفهمة.

هل تحظى المقاومة الفلسطينية اليوم بشيء من هذا القبيل؟

خرجت المقاومة الفلسطينية في ستينات القرن الماضي منطلقة من كونها الخيار المتبقي بعد هزيمة العرب المدوية عام 1967. تولّت فتح والفصائل الأخرى تخليص النظام السياسي العربي من عار الهزيمة فحظيت، على مضض، بدعم عربي سياسي من البعض، وعسكري من بعض ثان، وسياسي وعسكري من بعض ثالث. ولئن اصطدمت المقاومة بقوانين السلطة والأمن في بلدان عربية عديدة، إلا أنها بقيت متمتعة بغطاء عربي شرعي رسمي يضفي على حراكها، حتى تلك التي تمثلت في خطف الطائرات أو ضرب أهداف في العالم، شرعية ورعاية.

في تلك الفترة التي امتدت حتى توقيع اتفاقية كامب دايفيد، انتهاء بالاجتياح الإسرائيلي للبنان، عملت المقاومة الفلسطينية وفق مناورات الحرب الباردة ومعاييرها. حظيت المقاومة برعاية المعسكر الشرقي، بمساحتيه السوفيتية والصينية. أتاحت تلك المعايير توفير معسكرات تدريب وفتح أسواق التسليح، ووفرت فضاء دوليا رحبا للحركة في العالم. وربما أن استسلام العالم لتلك القسمة التي حدها جدار برلين آنذاك، يفسر مقاربة الغرب للمقاومة الفلسطينية، بصفتها جزءا أساسيا من واقع الحرب الباردة وثوابتها.

هل تحظى المقاومة الفلسطينية اليوم بشيء من هذا القبيل؟

حين انهارت دول وأنظمة وأفكار وطموحات بانهيار كامل المنظومة الشرقية في أوروبا، كان الفلسطينيون قد استبقوا ذلك بإطلاق انتفاضة الحجارة التي حققت اختراقا استثنائيا لافتا لدى العالم الغربي، وأعادت الحدث الفلسطيني إلى الواجهة، بعد أن أحالته هزيمة عام 1982 رتيبا بليدا على طريق الزوال. وإذا ما قاد الحراك الفلسطيني الداخلي إلى إنتاج «أوسلو»، فإن تلك الحيوية (ومهما قيل عن «أوسلو») عبرت عن عبقرية فلسطينية (وربما عن يأس) في حسن التقاط اللحظة ومحاكاة الواقع والابتعاد عن العيش خارج الزمن.

وفق «أوسلو» قامت السلطة الفلسطينية، ووفق ما أنتجه «أوسلو» على الأرض تنامت حركة حماس. باختصار أعادت الواقعية (وهنا «أوسلو» بالمناسبة) الصراع حول فلسطين إلى داخل فلسطين. وإذا ما كانت الاتفاقية استحقاقا مرحليا وقعه ياسر عرفات للقفز إلى ما بعده، ووقعه اسحاق رابين تخطيطا بألا يكون شيء بعدها، فإن الأمر يعبر عن واقع محلي كان يتسق مع واقع دولي عام.

ما يعيشه العرب والفلسطينيون، وما يشهده النظام العالمي اليوم يعكس تبدلا جذريا لا يوفّر للمقاومين هامشا مقبولا يتيح نجاعة. لم تعد المقاومة العسكرية في فلسطين خيارا جامعا، وهو ما أسس لذلك الانقسام المعروف، والذي بات تقليديا، بين فتح وحماس. ولم تعد فلسطين قضية العرب الأولى، لا سيما في هذه الأيام، حيث تتعملق قضايا كل بلد عربي لتصبح قضيته المركزية والوجودية. توارى نظام الحرب الباردة العالمي، الذي كان يؤمّن منطقا للمقاومة وحلَ مكانه نظام آخر، على تصدعه، يوفّر لإسرائيل رعاية وفهما (يكفي تأمل مواقف موسكو وبكين مثلا).

لكن هل يستسلم الفلسطينيون ويتوقفون عن أي فعل؟ ثم هل يملك الفلسطينيون هذا الترف؟ ثم ألا تستدرج إسرائيل العنف وتقتات منه لتغذية مظلومية اليهود التاريخية؟

لا يملك الفلسطينيون أن يهزموا إسرائيل عسكريا، وهو أمر لم ينله النظام العربي الرسمي برمته في عزّ وقوف المعسكر الشرقي إلى جانبه. قد نقول غير ذلك تغذية لبروباغندا مُملّة تطل وتختفي منذ النكبة الكبرى، فينتعش مزاجنا دون أن يغير ذلك من واقع المأساة وديمومتها. خبرت فتح والفصائل أمر ذلك، وقد خبرته حماس وفصائل أخرى، وأدركت بالدم نهاياته.

لكن الفلسطينيين يملكون في غزة والخليل ورام الله ونابلس، كما في لندن وباريس وواشنطن وموسكو، أمر بقاء الراية مرفوعة والشعلة مضاءة. في ذلك أن صمود الفكرة الفلسطينية قضم للفكرة الصهيونية، وتحفيز للعالم العربي بتصويب البوصلة والعودة إلى استدعاء القضية لأحضانهم. لا يبدو أمر ذلك فقط لفلسطينية جانبها فقط، بل لما يمثله ذلك الاحتضان من دينامية جمع وتقارب لبلدان المنطقة.

يكفي تأمل كم أن فلسطين ما زالت القاسم المشترك، ربما الوحيد، لأهل المنطقة على تعدد مشاربهم.

من الحكمة التعامل مع ما تيسر لتمرير العاصفة ووقف إطلاق النار وإنهاء الحرب. يحتاجُ الحقل الفلسطيني إلى ما يعزز وحدة داخلية (ومواقف فتح والسلطة ومنظمة التحرير تعزز ذلك)، وما يوفر إدارة سياسية وتنموية ودبلوماسية تقارب الملامح الواقعية للعالم.

تحتاج فلسطين إلى إعادة الوصل مع المحيط، خصوصا ذلك المباشر، فللجغرافيا قواعد لا مناص من إدراكها. فإذا ما كانت فلسطين تحتاج، وجوديا، إلى وحدة حال مع دول المغرب والخليج وبلاد الشام، فما بالك بالحاجة إلى توافق، وحتى اتساق كامل مع مصر، ليس فقط بصفتها الدولة العربية الكبرى، بل لكونها الدولة التي تحدُّ غزة ومتصلّة مباشرة بأمنها القومي.

على أن استبعاد الخيار العسكري لحل أزمة القطاع كما أزمة الاحتلال، لا يعني عدم بناء السلطة الفلسطينية بجناحيها (فتح وحماس) على حقائق ما استطاعته المقاومة وحققته، لا سيما في معارك غزة الأخيرة، ومقارعة إسرائيل والعالم وفق كافة العناصر، بما فيها تلك العسكرية التي تنهل تاريخها من تاريخ النضال العسكري الفلسطيني، منذ الإرهاصات الأولى للفكرة الصهيونية في فلسطين.

سيبقى العرب مناصرين للفلسطينين يدعمون حراكهم. وسيبقى النظام العربي، مهما تلعثم وتحفظ، ومهما كثرت تناقضاته الداخلية بين أنظمته، يقف خلف ما يذهب إليه الفلسطينيون مجتمعين. العبرة في أن يُحسن الفلسطينيون توظيب أجندتهم وترتيب أولوياتهم، فلن يكون في العالم أجمع من يكون فلسطينيا أكثر من الفلسطينيين.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

9