في انتظار "غودو" الأميركي

الاثنين 2014/08/18

فتحت الأطراف المنهمكة في الصراع الشرق أوسطي أعينها فجأة لتكتشف داعش، الكائن الخرافي الذي وُلد ونهض على حين غرة، وشرع في نهش القوى والكيانات المتصارعة ذات اليمين وذات اليسار، ليتطلع الجميع بخوف، وينتظر بأمل تدخل شرطي العالم، الولايات المتحدة الأميركية.

أول الآملين وأشدهم توسلاً للتدخل، على جمر الغضا كما يقال، هو النظام السوري، المتهم الأول بتصنيع ذلك الوحش، والتلويح به كفزاعة لإرهاب خصومه وإرغامهم على التراجع عن مناصبته العداء، تحت شعار “عليّ وعلى أعدائي”. لكن ما لم يكن في حسبانه أن يضرب الآخرون صفحاً عن تلك التهديدات، ويذهبون وإياه إلى حافة الهاوية، التي يبدو الأقرب إليها، ولا منقذ له سوى الإدارة الأميركية، التي لا تفعل شيئاً ولا تقول شيئاً، رغم كل ما يبثه من صور لجنوده الذين يقدمهم للذبح يومياً لإبراز صورة الخطر الداعشي القادم، وتقديم نفسه كوكيل حرب ضد الإرهاب.

النظام المذهبي في العراق، وحتى بعد استبدال المالكي بآخر، ينتظر أيضاً، لكن أرتال داعش المتقدمة صوب بغداد لا تنتظر، وهي تقضم في كل يوم تشكيلاُ عسكرياُ، أو حقلاً نفطياً، والقائمون على النظام يدركون أنهم رهائن الخيارات الإيرانية، التي قد تفضل بقاءهم تحت سيف داعش المسلط، مقابل عدم المساس بحكم بشار الأسد في دمشق، عن طريق تدخل دولي شامل لحسم الصراعات في مجمل المنطقة، الأمر الذي يعني بقاء حكمهم في بغداد ضعيفاً وحياً بما يكفي فقط لإدامة هيمنة طهران على بلادهم لا أكثر، وهي وضعية لن يخرج منها النظام العراقي سوى بتدخل أميركي مباشر للقضاء على التهديد السني المتمثل في داعش اليوم.

وإيران ليست أفضل حالاً من أتباعها، فقد دفعت الأموال الطائلة لحليفها الروسي كي يمنع الولايات المتحدة من التدخل في سوريا، بحجة السيادة والقرار الوطني والتوافق الدولي، وهو لا يجرؤ بعد ذلك على تفويض نفسه، للتدخل في العراق، ودون تدخله المباشر ستسقط منظومته التي أقامها في مجمل الشرق الأوسط، ولعبة عض الأصابع مع الأميركان ليست في صالحه، ويمر الوقت بثمن باهظ يدفعه في دمشق وبغداد، بل وفي لبنان أيضاً، حيث يبدو أن سيناريوهات سوريا والعراق ستتكرر هناك، وقوة حزب الله المستنزفة في سوريا، لن تستطيع الوقوف في وجه الطوفان المذهبي إذا ما انبثق، وليس للبنان الصغير، بطوائفه الأصغر، سوى التطلع إلى القوة الأكبر في العالم، لحفظ بقائه الهش.

وبمناسبة الكيانات الهشة، يبدو إقليم كردستان الذي نُفخ فيه في السنوات الأخيرة، وتغذى من التناحر العربي السني الشيعي في العراق، أشبه ببالون يقترب منه دبوس داعش، ليحيله إلى مزق متصارعة ذاتياً، شأنها شأن كل الجغرافيا المشرقية، ولأن ذريعة حماية الأقليات لا تستقيم هنا، فإن عقود النفط والمصالح الدائمة، قد تكون سبيلاً ممكناً لتوسل التدخل الأميركي، وقد ساعدت على استدرار السلاح والعتاد، الذي لا يتوقع أن يحدث فرقاً واسعاً في المعارك، لكن حتى هذا النوع من الدعم لن تحظى به الكانتونات الكردية في الجزيرة السورية، المسيطرة على مجموعة من آبار النفط والغاز، ولا يمنع داعش من الزحف إليها سوى الوقت، الذي يأمل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، المسيطر هناك، ألا ينضب قبل حصول التدخل الأميركي.

تضع المعارضة السورية المعتدلة أو المدنية، آمالها على الحليف الأميركي، لإعادتها مظفرة إلى المناطق المحررة أولاً، كأفضل شريك محلي، وهو بداية الطريق لإيصالها إلى دمشق في ما بعد، فالتورط الأميركي في سوريا، وفق تلك المعارضة، سيكون جذرياً وسيحل القضية برمتها.

لكن لماذا الصمت الأميركي؟ ولماذا تترك إدارة أوباما حكومات وجماعات الشرق الأوسط في الانتظار والقلق العبثيين، كما في مسرحية بكيت الشهيرة “في انتظار غودو”؟

يمكننا أن نضع ما لا نهاية له من التكهنات والتصورات والسيناريوهات، وكلها مبنية على إشارات ورموز ورسائل مشفرة وما إلى ذلك من عدة التحليل الدارج اليوم، لكننا سنذهب إلى أكثر التفسيرات سهولة ومنطقية، وهو الخواء، فليس لدى أميركا الأوبامية ما تقوله أو تفعله اليوم، وهي مثل الجميع، في انتظار غودو، أي الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة.


كاتب سوري

8