في بحث الصلات بين الإخوان والجهاد والحركات الجهادية

الجمعة 2014/08/08
الجماعات الجهادية مازالت تستلهمُ دوافع فعلها العنيف من أدبيات الإخوان

تنامي العمل الجهادي الإرهابي في الفترة الأخيرة في غير مكان من المنطقة العربية، من سوريا إلى تونس مرورا بالعراق ومصر وليبيا وغيرها، طرح إشكال دواعي تمدد التعبيرات العنيفة، وعلاقة جماعة الإخوان بالعنف المسلّح وهل عرفت الجماعة تغييرا في رؤيتها لمسألة الجهاد؟ وماذا “وفرت” للجماعات الجهادية الإسلامية الأخرى؟ وماذا يعني حرص الإخوان على عدم “التورط المباشر” في التغيير المسلّح أو الجهادي؟ ألا يعني ذلك تكليف غيرها من الفرق والجماعات بالتصدي للفعل العنيف؟

طائفة من الأسئلة تجد صداها في فصل خصصه الباحث حسام تمام لـ”الإخوان والجهاد والحركات الجهادية”، في كتابه “الإخوان المسلمون، سنوات ما قبل الثورة” الصادر عام 2012، (صدر بعد وفاة مؤلفه في أكتوبر 2011 وبعد أن قامت أسرته وأصدقاؤه بإتمام العمل ونشره).

لتأصيل كل الأفكار المتداخلة وجبَ تتبع الفصل الذي خصصه حسام تمام للإخوان والجهاد والحركات الجهادية، ومثلما يوحي عنوانه كان الفصل يوحي بعلاقة خفية، أو صلة مدفونة بعناية بين كل هذه العناصر.

توصل حسام تمام إلى متغيرات ثلاثة حددت بشكل حاسم موقف الإخوان من مسألة الجهاد، الأول هو تأرجح الجماعة بين المرحلة البنّاوية (إحالة على حسن البنا) والمرحلة القطبية (سيد قطب)، والثاني هو ترنحها بين أطروحتي الدولة والفكرة الأممية، أما الثالث فهو التركيبة الداخلية للجماعة التي تلعبُ الدور الأكبر في توجيه التحولات التي تطالُ إدراك الحركة لمضامين الجهاد المتأرجح بين الأطروحتين.

مقولات التكفير والجهاد بدأت في الاتساع منذ السبعينات

ولمزيد فهم الظاهرة الجهادية خاصة في تمظهراتها الحالية الراهنة، وجب الخروج من الفضاء الإخواني والانتقال إلى فضاء الحركات الإسلامية بمعناها الواسع، حيث انتقل تحديد مضامين الجهاد، بفعل تمدد المجال الديني خارج نطاق العلماء والمؤسسات الدينية من أيدي أولئك الذين اضطلعوا تاريخيا بتفسير آيات الجهاد، إلى فاعلين جدد وفضاءات جديدة وصلت مؤخرا إلى الجهاد الإلكتروني مع تنامي وسائل الاتصال الحديثة.

ولبيان الفروق التي طرأت على الفاعلين (فكريا وعمليا) في حقل “الجهاد” أشار تمام إلى أن العلاقة بالعنف المسلح خلال القرن العشرين كانت تندرج “ضمن رؤية الجهاد كفكرة نظرية تتحول إلى “بناء اجتماعي”، ففي كل مرحلة كان عدد أكبر من الفاعلين يتدخلون في تحديد مضامينه وتعريفاته، وكانت حركات الإسلام السياسي أكثر الفاعلين السياسيين والاجتماعيين تأثيرا في التطورات التي عرفها مفهوم الجهاد خارج إطار النصوص الشرعية الدالّة عليه من آيات قرآنية وأحاديث نبوية”.

في إطار تدخل فاعلين كثر في ضبط وتوجيه مفهوم الجهاد برزت أسئلة تعكس الخلافات الطارئة: هل الجهاد داخلي أم خارجي؟ هل القرار فيه لولي الأمر أم للأمة ممثلة في “جماعاتها وآحادها”؟ والبيّنُ أن الإسلام السياسي انتصر للخيار الثاني أي أن “الجهاد ليس رهنا بولي الأمر فقط، بل يمكن أن يكون لآحاد الأمة وجماعاتها طالما أن شبرا من بلاد المسلمين محتل، ومتى كانت عقائد ولاة الأمور محلّ شك.

في السعي الحثيث إلى نقل الجهاد من “احتكاره” من قبل نطاق العلماء والمؤسسات الدينية، إلى أيدي فاعلين سياسيين تشقهم (بدورهم) اختلافات عديدة، انتقلت مشروعية الجهاد مع الإسلام السياسي من “فرض كفاية” إلى “فرص عيْن” يعد إهماله إهمالا لركن من أركان الدين، ثم انتقلت لاحقا أو ارتباطا بذلك فضاءات تطبيقه من “مواجهة العدو الخارجي أو العدو في الخارج” إلى “عدوّ موجود في الداخل” وهو “محل شكّ في عقيدته”.

وكانت هذه المنعرجات حسب حسام تمام، “أهم التطورات التي سجلت في السبعينات والثمانينات حيث كانت مقولات التكفير والجاهلية في تمدد واتساع″.

شهدت حقبة السبعينات صعودا لافتا لفكرة التغيير المسلح، وشهد القطر المصري ولادة تنظيم انقلابي إسلامي واضح الأهداف والغايات وهو تنظيم “الفنية العسكرية” عام 1974، كما نشأت تنظيمات جهادية كثيرة مثل “الجهاد” و”الجماعة الإسلامية” وهي تنظيمات لا ترى ضيرا حسب وصف حسام تمام في ” الدعوة إلى الانقلاب وحمل السلاح، ومواجهة الدولة”.

هنا تبدأ الصلة الخفية بين هذه التنظيمات وجماعة الإخوان، لم تكن جماعة الإخوان بعيدة عن هذا المزاج الجهادي العنيف “الذي كان يلهب الخيال الإسلامي” وقتذاك، ولكن الفارق بين الإخوان والآخرين (التنظيمات الجهادية المذكورة وغيرها) هو بالتحديد “فارق الخبرة الذي يعطي للإخوان قدرة أفضل على “قراءة المشهد بواقعية خوفا من فاتورة الحساب” ويمنحها حاسة اشتمام رائحة “السفن الغارقة”.

واصل صاحب كتاب “الإخوان المسلمون سنوات ما قبل الثورة” حفره في العلاقات الفكرية “التحت أرضية” التي تصل الإخوان بالتيارات الجامحة التي كانت ترفع شعارات الجهاد عاليا، بقوله إن “طبيعة التداخل الكبير بين أطياف الصحوة الإسلامية المتصاعدة وقتها، وعلاقة الأواني المستطرقة” التي كانت تحكم الجميع، تسمح بالحديث لا فقط عن تقاطعات بين شخصيات إخوانية أو محسوبة على الإخوان، وبين شخصيات جهادية تتبنى منهج التغيير المسلّح، بل عن أن فكرة التغيير المسلح لم تكن مستبعدة وقتها عند الإخوان، وأن ما يحول دونها هو فقط غياب الشروط اللازمة واللحظة المناسبة”.

حسام تمام 1972/ 2011
* صحفي وباحث في الحركات الإسلامية المعاصرة

* تتركز اهتماماته حول حركات الإسلام السياسي

* مؤسس أول مرصد متخصص لدراسة الحركات الإسلامية

* شغل منصب مدير تحرير قطاع الحركات الإسلامية بموقع إسلام أون لاين

الأمر هنا شبيه بتبادل أدوار، أو بعلاقة تأثر وتأثير، أو بضرب من العلاقة الجدلية. جماعة الإخوان وفرت “ترسانة” من الأفكار والأدبيات الحاثة والمشرعة للجهاد، ثم اختبأت خلف جدار “المنفعة” السياسية، وتصدت لتنفيذ الجهاد قوى أخرى تعوزها الخبرة وتدير ظهرها للبراغماتية السياسية، لكن هذا لايعني أن جماعة الإخوان تنكرت لأدبياتها أو انتصرت حقيقة للعمل السياسي المدني. فحسم الإخوان في قضية العنف بعد اغتيال السادات عام 1981، ومشاركة الجماعة في الانتخابات البرلمانية لعام 1984، وانغماسهم التدريجي في منظومة العمل السياسي السلمي جعلت جماعة الإخوان “تتورط” (بمعنى الالتزام المفروض أحيانا) بالتدريج في منظومة يصعب أن تنتج عنفا، لكنها حملت “جينات” كامنة لهذا العنف في كتب وأدبيات الجماعة. أدبيات تجاوزتها الجماعة واقعيا، ولكنها لم تكن تملك جرأة مراجعتها أو نقدها فكريا.

الجهاد فكرة مركزية في فكر الإسلام السياسي بحيث لا يمكن تجاوزها بمبدأ المراجعة الفكرية. ومركزية الجهاد هي التي جعلت الإخوان أكثر الجماعات الإسلامية قدرة على تكييفها مع التطورات السياسية منذ السبعينات، حيث جرى تأطير الفكرة الجهادية اجتماعيا وثقافيا بشكل سمح للإخوان بتجنب التورط المباشر أيديولوجيا وتنظيميا في معركة الجهاد.

الثابت أن الجماعات الإخوانية هي أكثر الأطراف استفادة من المحصول السياسي للربيع العربي، والواضح أن منسوب “العنف الجهادي” قد زاد منذ اندلاع ثورات هنا وهناك، والبيّن أن جماعات الإخوان ستدفع عن نفسها تهم الضلوع في ممارسة العنف عمليا، لكن للعنف أفكار تغذيه وتؤطره وتؤويه، ولذلك كانت العودة إلى كتاب حسام تمام وفصله الموسوم “الإخوان والجهاد والحركات الجهادية” أكثر من ضرورية.

13