في بطن ماعز

في دروب المهابيل، تتعدد الأمصار العربية واللهجات والأدوار وخيوط الدخان التي يطاردها الواهمون. ولا ننسى درب غزة التي يتنازع فيه كل مظلومي فلسطين، على بقايا نظام بات مخبوءا في بطن ماعز.
الأحد 2018/03/25
درب غزة التي يتنازع فيه كل مظلومي فلسطين

في مكان ضيق، والناس مَعوزة أو موجوعة فيه، والحمار رفّاص؛ تجري أحداث فيلم سينمائي من إنتاج الخمسينات بعنوان “درب المهابيل” أخرجه رائد السينما العربية الواقعية توفيق صالح.

كانت الحارة الشعبية هي المكان الضيق المُضني في ذلك الشريط السينمائي، الذي يقوم على قصة لنجيب محفوظ وسيناريو للأديب عبدالحميد جودة السحار. أما خط الأحداث، فإنه يمضي في اتجاه لا عقلاني، وتستحثّة أوهام بلوغ الثروة والنجاة أو إحراز الراحة الأبدية، بضربة حظ أو موقف.

في تلك الحكاية تنشأ الأدوار من التعارضات في الأفكار. يشتري العامل الفقير الذي يكابد أوقات الحياة مع معلمه العجلاتي البخيل ورقة يانصيب، ويودعها لدى حبيبته، لعل الورقة تربح وتيسّر لهما الزواج. لكن والد الفتاة، الذي يعتقد بُحرمة اليانصيب ويراه من جنس المقامرة؛ يلقي بالورقة بعيداً، فتأخذها الرياح إلى يد مجذوب الحارة.

 ولما وقع الربح كالقَدر المستعجل، وعلمت الحارة بهبوط الثروة الموهومة، التي باتت بحوزتها لا بحوزة العامل الذي اشترى الورقة؛ بدأ المهابيل في مطاردة المجذوب الذي شوهد يحملها قبل أن تربح، وتشاجروا في السياق، فيضطر المجذوب إلى تخبئة الورقة وربطها في أسفل بطن ماعز.

المطاردة تحتدم والمجذوب يتفلّت. ويتبدى في السياق أحد مشاهد الحياة الدنيا عندما “تدق” الناس المُدقعة في بعضها بعضا لدوافع وأسباب وهمية، وتتنازع على شيء ليس في يدها، في الوقت الذي ينبغي فيه أن تتحابب ولا تتشاجر.

مع وصول هوجة المطاردة إلى النقطة الحاسمة، ويقع المجذوب في قبضة الواهمين، ثم يرشدهم على الماعز السارحة؛ تكون ماعزٌ أخرى قد التقطت الورقة من أسفل بطن شقيقتها وأوشكت على الانتهاء من مضغها.

في أي استدلال استقرائي أو استنباطي ـ حسب فلسفة أرسطوـ  لو أن عاقلاً نصح الهائجين أثناء الشجار بالروقان والكف عن مطاردة الأوهام، وعن التنازع على لقان الجيران، وأن يتفكروا في سبل خروجهم من محنتهم، لَما كان الكلام سيعجبهم، مثلما لم تعجب العروض الأولى للفيلم السينمائي طالبي التسلية، حسب اعتراف المخرج نفسه، الذي اعتبره النقاد علامة فارقة في تاريخ السينما العربية.

يمكن لـ”درب المهابيل” أن يرتسم في أي مكان، وليس في حارة شعبية مصرية اختلقها نجيب محفوظ وأنطق السحّار أشخاصها. ففي دروب المهابيل، تتعدد الأمصار العربية واللهجات والأدوار وخيوط الدخان التي يطاردها الواهمون. ولا ننسى درب غزة التي يتنازع فيه كل مظلومي فلسطين، على بقايا نظام بات مخبوءا في بطن ماعز.

24